ارتزاق المزوقين استفاضتها منه سبحانه ما يديم به بقاءها من الوجود ، فالحساب كالرزق بوجه ، فلا تزال سحابة الفيض تشرب من بحر الرحمة وتمطر مطر الفيض على بحر الإمكان ، فكلّ قطرة لا حقة تستمدّ بها سابقتها ، وهو الرزق ، وترفع بها حاجتها التي تستحقّها وتقتضيها ، وهو الحساب ، فكما أنّ إفاضة الرزق لها دائم مستمرّ ضروري ، كما قال سبحانه :
إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
« 1 » ، فكلّ الحساب بينهما دائم مستمرّ ضروري .
وفي النهج سئل عليه السّلام كيف يحاسب اللّه الخلق على كثرتهم ؟ فقال عليه السّلام : « كما يرزقهم على كثرتهم » ، فقيل : فكيف يحاسبهم ولا يرونه ؟ قال : « كما يرزقهم ولا يرونه » « 2 » ، وهو أنفس كلام في هذا الباب .
وبالجملة بالأمور ، ومنها الأعمال ، لا تنفكّ عن حسابها عند تحقّقها في الخارج أدنى انفكاك ، قال سبحانه :
وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ
« 3 » .
وقال سبحانه :
أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ
« 4 » .
إذ مع اختصاص الحكم به سبحانه وعدم وجود حاكم غيره يضادّ بحكمه حكمه ، ويدفع به أمره بنحو من الأنحاء بإبطال وتعويق وتضعيف وإنظار ، لا يتصوّر لحكمه سبحانه بطء وتعويض وتأخير ، ولا يمكن فيه مساءة ولا صعوبة ولا يسر ولا عسر ولا غيرها .
فهذه المعاني إذا أطلقت يراد بها حصول معانيها بالنسبة إلى إدراك المحاسبين بصيغة المفعول ، كقوله سبحانه :
وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ
« 5 » .
هامش
( 1 ) سورة الذاريات : الآية 23 .
( 2 ) نهج البلاغة : 528 ، حكم أمير المؤمنين رقم 300 .
( 3 ) سورة الرعد : الآية 41 .
( 4 ) سورة الأنعام : الآية 62 .
( 5 ) سورة الرعد : الآية 21 .