وقد مرّ أنّ النور هو الإمام الحقّ هذا .
والاعتبار أيضا يساعد هذا المعنى ، فإنّ الإنسان بوجوده الدنيوي ، أعني بدنه الحيّ بقواه وإحساساته على ما نزل من عند الحكيم الخبير ودبّره العليم القدير ، متوجّه القوى والإحساسات إلى جهتي القدّام واليمين ، وأمّا جهتا الشمال والوراء فعندهما نفاد القوى وهلاك الاحساس ، والإنسان إذا شقي وأخلد إلى الأرض واتّبع هواه أقبل إلى الأرض ووجهه لها ، وإذا قام لربّه وأحضر لحسابه واتّبع الدعي لا عوج له ، سار ووجهه إلى خلفه ، فحالهم حال ضرير منكوس الوجه ، مدهوش ، ساع إلى غاية لا يدري ما يفعل ولا ما ذا يفعل به .
واعلم أنّ الإمام الحقّ على أنّه مهيمن على أناس دعوا به ، كذلك هو مهيمن على إمام الباطل وحزبه ، قال سبحانه :
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ
« 1 » ، فوصف الكتاب المحصي لكلّ شيء من السعادة والشقاوة بالإمامة .
وقال أيضا :
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
« 2 » .
فالإمام - الذي هو الكتاب - حاكم في الفريقين : السعيد والشقيّ ، مهيمن على الطائفتين جميعا .
وهذا غير مناف لما مرّ أنّ الدعوة إلى الكتاب غير الدعوة بالإمام ، فإنّه سبحانه ما وصف صحف الأعمال بالإمامة ، بل وصفها بالإلزام والمتابعة ، وقال :
أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ
« 3 » الآية .
وإنّما وصف بالإمامة اللوح المحفوظ الذي منه يستنسخ الأعمال وصحف
هامش
( 1 ) سورة يس : الآية 12 .
( 2 ) سورة الجاثية : الآية 29 .
( 3 ) سورة الإسراء : الآية 13 .