غيره تعالى وغير الراسخين في العلم من الناس حتّى الزائغون قلباً ، فإنّ الحوادث التي تدلّ عليها آيات القصص يتساوى في إدراكها جميع الناس من غير أن يحرم عنه بعضهم ، وكذا الحقائق الخلقية والمصالح التي يوجدها العمل بالأحكام من العبادات والمعاملات وسائر الأمور المشرّعة .
وإن كان المراد بالتأويل فيه تأويل المتشابه فقط استقام الحصر في قوله : وما يعلم تأويله إلا الله وأفاد أنّ غيره تعالى وغير الراسخين في العلم مثلًا لا ينبغي لهم ابتغاء تأويل المتشابه ، وهو يؤدّى إلى الفتنة وإضلال الناس ، لكن لا وجه لحصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات والقيامة ، فإنّ الفتنة والضلال كما يوجدان في تأويلها يوجدان في تأويل غيرها من آيات الأحكام والقصص وغيرهما .
كأن يقول القائل وقد قيل أنّ الأحكام الدينيّة إنّما شُرّعت لتكون طريقاً إلى الوصول ، فلو كان هناك طريق أقرب منها كان سلوكه متعيّناً لمن ركبه ، فإنّما المطلوب هو الوصول بأىّ طريق اتّفق وتيسّر ، وقد يُقال : إنّ التكليف
إنّما هو لبلوغ الكمال ولا معنى لبقائه بعد الكمال بتحقّق الوصول فلا تكليف لكامل .
أو يقول : إنّ الدِّين إنّما شرّع لصلاح الدُّنيا وإصلاح الناس ، وما أحدثوه أصلح لحال الناس ، حتّى آل الأمر إلى ما يقال من أنّ الغرض الوحيد من شرائع الدِّين إصلاح الدُّنيا بإجرائها ، والدُّنيا اليوم لا تقبل السياسة الدينيّة ولا تهضمها ، بل تستدعى وضع قوانين ترتضيها مدنية اليوم وإجراءها .
أو يُقال : إنّ التلبّس بالأعمال الدينيّة هو لتطهير القلوب وهدايتها إلى الفكرة والإرادة الصالحتين ، والقلوب المتدرّبة بالتربية الاجتماعية ، والنفوس الموقوفة على خدمة الخلق في غنى عن التطهّر بأمثال الوضوء والغُسل
أصول التفسير والتأويل — صفحة 316
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣١٦