كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس ، أمرهم بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ، ليتبين
من يوافق محمدا فيما يكرهه ، فهو مصدقه وموافقه " ( 1 ) . ( وإن كانت لكبيرة ) يعني
الصلاة إلى بيت المقدس في ذلك الوقت ( إلا على الذين هدى الله ) وعرف أن الله يتعبد
بخلاف ما يريده المرء ، ليبتلي طاعته في مخالفة هواه ( وما كان الله ليضيع إيمانكم )
يعني صلاتكم . قال : " نزلت حين قال المسلمون : أرأيت صلاتنا التي كنا نصلي إلى بيت
المقدس ما حالنا فيها وحال من مضى من أمواتنا ؟ قال : فسمى الصلاة إيمانا " ( 2 ) . ( إن
الله بالناس لرءوف رحيم ) .
( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضها ) . قال : " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
صلى إلى بيت المقدس بعد النبوة ثلاث عشرة سنة بمكة ، وتسعة عشر
شهرا بالمدينة ، ثم عيرته اليهود ، فقالوا له : إنك تابع لقبلتنا ، فاغتم لذلك غما
شديدا ، فلما كان في بعض الليل خرج يقلب وجهه في آفاق السماء ، فلما
أصبح صلى الغداة ، فلما صلى من الظهر ركعتين جاء جبرئيل بهذه الآية ، ثم أخذ
بيده فحول وجهه إلى الكعبة ، وحول من خلفه وجوههم حتى قام الرجال مقام
النساء والنساء مقام الرجال " ( 3 ) . قيل : إنما كان يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة ،
لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم ، وأقدم القبلتين ، وأدعى للعرب إلى الايمان ، ولمخالفة
اليهود ( 4 ) .
( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) : نحوه . وإنما ذكر المسجد اكتفاء بمراعاة
الجهة . ( وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) . خص الرسول بالخطاب تعظيما له
هامش
1 - الاحتجاج 1 : 46 - 45 ، عن أبي محمد العسكري عليه السلام .
2 - العياشي 1 : 63 ، الحديث : 115 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
3 - من لا يحضره الفقيه 1 : 178 ، الحديث : 843 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
4 - البيضاوي 1 : 197 .