إذا غمر فيه الإصبع كان ما يلزم الإصبع منه أقلّ ممّا يلزم من الماء الغليظ ، أو الدّهن أو العسل . فإذن هذه الخاصيّة لا تلزم الجسم من جهة ما هو رطب مطلقا ، وإلّا لكان ما هو أرطب وأرقّ من الرّطوبات أشدّ لزوما والتصاقا ، بل هذا لازم للكثافة والغلظ إذا اقترنا بالرّطوبة .
بل تبقى للرّطوبة سهولة التّحدّد والتّشكّل بغيره ، مع سهولة التّرك وضعف الإمساك ، كما أنّ اليابس يلزمه الثبات على ما يؤتاه من الشّكل مع معاوقة في قبوله .
فيجب أن يتحقّق : أنّ الرّطوبة هي الكيفيّة الّتي بها يكون الجسم قابلا للنّحو الأوّل من القبول . واليبوسة هي الكيفيّة الّتي بها يكون الجسم قابلا للنّحو الثّاني من القبول .
فلا يستبعد أن يكون الهواء رطبا ، وإن كان لا يلتصق ، إذ الالتصاق ليس لنفس كون الشّيء رطبا ، بل للّغلظ . والهواء إذا غلظ ، فصار ماء فصار أيضا على صفة الملازمة والالتصاق . هذا كلام " الشّفاء " » « 1 » .
فما في كتب المتأخّرين : من أنّ الرّطوبة قد يفسّر بسهولة الالتصاق والانفصال مأخوذ من هاهنا .
وقد اختاره الإمام « 2 » ، وفسّرها في " المواقف « 3 » " بهذا التفسير .
وقال في " شرح المقاصد " : « أنّ في كلام بعض المتقدّمين أنّ الجسم
هامش
( 1 ) . طبيعيات الشّفاء : 2 / 153 - 154 / الفصل التّاسع من الفنّ الثّالث .
( 2 ) . لاحظ : المباحث المشرقيّة : 1 / 277 - 278 .
( 3 ) . أنظر : المواقف في علم الكلام : 124 .