وبيان ذلك : أنّك قد عرفت أنّ الطّبيعي من الجهات هو الفوق والتّحت ، ومعنى كونهما طبيعيّين أنّهما جهتان متعيّنتان بالطّبع ومتقابلتان بالطّبع .
أمّا الأوّل : فلأنّا نرى بعض الأجسام يتحرّك بالطبع إلى الفوق ، وبعضها يتحرّك بالطّبع إلى تحت ، فلو لا أنّهما متمايزتان بحسب الطّبع ، لما كان كذلك .
وأمّا الثّاني : فلأنّ الطّالب لإحديهما بالطّبع هارب عن الأخرى بالطّبع ، وأيضا إحديهما ما يلي رأس الشّخص بالطّبع والأخرى ما يلي قدمه بالطّبع ، وهما ظرفان لإمتداد واحد ، فهما متقابلتان ، ويلزم من ذلك أنّ إحداهما إذا كانت غاية القرب من جسم يكون الأخرى غاية البعد عنه ، إذا تمهّد ذلك ، فنقول : تحدّد الجهتين وتعيّن وضعهما لا يخلو :
إمّا أن يكون في شيء متشابه ؛ خلأ كان أو ملأ .
وإمّا أن يكون في شيء مختلف .
والأوّل محال ، لعدم أولويّة بعض الحدود المفروضة المتشابهة ، بأن يكون جهة متعيّنة من سائرها ، ولكون الحدود فيهما بالفرض وغير متناهية ، وكون الجهتين بالطّبع واثنين ، فحسب ، فإذن ، الثّاني حقّ ، وهو كون التعيّن بشيء مختلف خارج ممّا يتشابه ، وذلك الشّيء يكون لا محالة جسما أو جسمانيّا ، لكون الجهة ذات وضع وتعيّن ذات الوضع لا يمكن إلّا أن يكون بذي وضع .
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 281
مساهمون: عبد الرزاق اللاهيجي
ص٢٨١