تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعلام الدين في صفات المؤمنين — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
لدائهم بدوائه تارة ، وتارة مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، تجري دموعهم على خدودهم ، يمجدون جبارا عظيما ، ويجأرون إليه - جل جلاله - في فكاك رقابهم . هذا ليلهم ، وأما النهار فحلماء علماء ، بررة أتقياء ، براهم ( 1 ) خوف بارئهم ، فهم أمثال القداح ( 2 ) ، يحسبهم الناظر إليهم مرضى وما بالقوم من مرض ، أو قد خولطوا وقد خالط القوم من عظمة ربهم وشدة سلطانه أمر عظيم ، طاشت له قلوبهم ، وذهلت منه عقولهم ، فإذا استقاموا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالأعمال الزاكية ، لا يرضون له بالقليل ، ولا يستكثرون له الجزيل ، فهم لأنفسهم متهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إن زكي أحدهم خاف مما يقولون ، وقال : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربي أعلم بي ، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ، فاجعلني خيرا مما يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون ، فإنك علام الغيوب وساتر العيوب . هذا ، ومن علامة أحدهم أن ترى له قوة في دين ، وحزما في لين ، وإيمانا في يقين ، وحرصا على علم ، وفهما في فقه ، وعلما في حكم ، وكيسا في رفق ، وقصدا في غنى ، وتجملا في فاقة ، وصبرا في شدة ، وخشوعا في عبادة ، ورحمة للمجهود ، وإعطاء في حق ، ورفقا في كسب ، وطلبا في حلال ، وتعففا في طمع ، وطمعا في غير طبع - أي دنس - ونشاطا في هدى ، واعتصاما في شهوة ، وبرا في استقامة ، لا يغره من جهله ، ولا يدع إحصاء ما عمله ، يستبطئ نفسه في العمل ، وهو من صالح عمله على وجل ، يصبح وشغله الذكر ، ويمسي وهمه الفكر ، يبيت حذرا من سنة الغفلة ، ويصبح فرحا لما أصاب من الفضل والرحمة ، إن استصعبت عليه نفسه فيما يكره ، لم يعطها سؤلها فيما إليه تشره ( 3 ) ، ورغبته فيما يبقى ، وزهادته فيما يفنى ، قد قرن العلم بالعمل ، والعمل بالحلم ، يظل دائما نشاطه ، بعيدا كسله ، قريبا أمله ، قليلا زلله ، متوقعا أجله ، خاشعا قلبه ، ذاكرا ربه ، قانعة نفسه ، غاربا جهله ، محرزا دينه ، ميتا داؤه كاظما غيظه ، صافيا خلقه ، آمنا منه جاره ، سهلا أمره ، معدوما كبره ، ثبتا صبره ، كثيرا ذكره ،
هامش
1 - برى السهم : نحته . " القاموس المحيط - بري - 4 : 303 " . 2 - القداح : واحدها قدح وهو السهم ، كناية عن ضعف أجسامهم ونحولها " القاموس المحيط - قدح - 1 : 241 " . 3 - الشراهة : غلبة الحرص " القاموس المحيط - شره - 4 : 286 " .
أعلام الدين في صفات المؤمنين — صفحة 140 | الحسن بن محمد الديلمي / مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث