تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعلام الدين في صفات المؤمنين — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
نهلا ، وسلك سبيلا جددا ، قد خلع سرابيل الشهوات ، وتخلى من الهموم إلا هما واحدا انفرد به ، فخرج من صفة العمى ، ومشاركة أهل الهوى ، وصار من مفاتيح أبواب الهدى ، ومغاليق أبواب الردى ، قد أبصر طريقه ، وسلك سبيله ، وعرف مناره ، وقطع غماره ( 1 ) ، واستمسك من العرى بأوثقها ، ومن الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس . قد نصب نفسه - لله سبحانه - في أرفع الأمور ، من إصدار كل وارد عليه ، وتصيير كل فرع إلى أصله ، مصباح ظلمات ، كشاف غشوات ، مفتاح مهمات ، دفاع معضلات ، دليل فلوات ، يقول فيفهم ، ويسكت فيسلم . قد أخلص لله سبحانه فاستخلصه ، فهو من معادن دينه ، وأوتاد أرضه ، قد ألزم نفسه العدل ، فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه ، يصف الحق ويعمل به ، لا يدع للخير غاية إلا أمها ، ولا مظنة إلا قصدها ، قد أمكن الكتاب من زمامه ، فهو قائده وإمامه ، يحل حيث كان محله ، وينزل حيث كان منزله . وآخر قد تسمى عالما وليس به ، فاقتبس جهائل من جهال ، وأضاليل من ضلال ، ونصب للناس أشراكا من حبائل غرور وقول زور ، قد حمل الكتاب على آرائه ، وعطف الحق على أهوائه ، يؤمن من العظائم ، ويهون كبير الجرائم ، يقول : أقف عند الشبهات ، وفيها وقع ، ويقول : أعتزل البدع ، وبينها اضطجع ، فالصورة صورة إنسان ، والقلب قلب حيوان ، لا يعرف باب الهدى فيتبعه ، ولا باب العمى فيصد عنه ، فذلك ميت الأحياء . فأين تذهبون ! وأنى تؤفكون ! والأعلام قائمة ، والآيات واضحة ، والمنار منصوبة ، فأين يتاه بكم ! بل كيف تعمهون ! وبينكم عترة نبيكم ، وهم أزمة الحق ، وألسنة الصدق ، فأنزلوهم بأحسن منازل ، وردوهم ورود الهيم العطاش . أيها الناس ، خذوها عن خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم : إنه يموت من يموت منا وليس بميت ، ويبلى من بلي وليس ببال ، فلا تقولوا ما لا تعرفون ، فإن أكثر الحق فيما تنكرون ، وأعذروا من لا حجة لكم عليه وأنا هو ، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر ! وأترك فيكم الثقل الأصغر ! وركزت فيكم راية الإيمان ! ووقفتكم على الحلال والحرام ! وألبستكم العافية من عدلي ! وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي ! وأريتكم كرائم
هامش
1 - غمار : جمع غمرة وهي شدة الشئ ومزدحمه " القاموس المحيط - غمر - 2 : 104 " .
أعلام الدين في صفات المؤمنين — صفحة 128 | الحسن بن محمد الديلمي / مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث