والآن حين أذكر ما ينعى على أبي الطيب من معائب شعره ومقابحه :
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلّها * كفى المرء فضلا أن تعدّ معائبه « 1 »
ثم أقفى على آثارها بمحاسنه وسياق بدائعه وفرائده :
فحسن دراريّ الكواكب أن ترى * طوالع في داج من الليل غيهب « 2 »
* * *
1 - فمنها قبح المطالع
وحقه الحسن والعذوبة لفظا ، والبارعة والجودة معنى ، لأنه أول ما يقرع الأذن ويصافح الذهن ، فإذا كانت حاله على الضد مجه السمع ، وزجه القلب ، ونبت عنه النفس ، وجرى أوله على ما تقوله العامة « أول الدن دردى » .
ولأبي الطيب ابتداءات ليست لعمري من أحرار الكلام وغرره ، بل هي - كما نعاها عليه العائبون - مستشنعة لا يرفع السمع لها حجابه ، ولا يفتح القلب لها بابه ، كقوله [ من الكامل ] :
هذي برزت لنا فهجت رسيسا * ثم انصرفت وما شفيت نسيسا « 3 »
فإنه لم يرض بحذف علامة النداء من « هذي » ، وهو غير جائز عند النحويين ، حتى ذكر الرسيس والنسيس ، فأخذ بطرفي الثقل والبرد .
هامش
( 1 ) السجايا : الصفات والطبائع .
( 2 ) داج : مظلم وغيهب : شديد الظلمة .
( 3 ) الرسيس : الرقة في الشوق . والنسيس : بقية الروح .