فلا أبرح ولا أريم ، « بلذة طيّبة وربّ غفور » . وحيث التفتّ فروضة وغدير ، وخورنق وسدير ، وظلّ ظليل ، ونسيم عليل .
وكم تمنيت أن ألقى بها أحدا * يسلى من الهم أو يعدى على النّوب « 1 »
فما وجدت سوى قوم إذا صدقوا * كانت مواعيدهم كالآل في الكذب « 2 »
وكان لي سبب قد كنت أحسبنى * أحظى به فإذا دائى من السّبب
فما مقلّم أظفارى سوى قلمي * ولا كتائب أعدائي سوى كتبي « 3 »
ولم تطل مدة اللّبث حتى تبيّنت بما شاهدته أنى فيها مبخوس البضاعة ، موكوس الصناعة ، مخصوص بالإهانة والإضاعة ؛ وأنّ عيشها الرغد ، مقصور على الوغد ، وعقابها المرّ ، موقوف على الحرّ ، فلو تقدّمت فعلمت ذلك لخفّ عنها مركبى « 4 » وصرفت إلى سواها وجه مطلبي ، ولكان لي في الأرض مرمى شاسع ، ومنتاب واسع ، بل تثبّطت ، حتى تورّطت ، حتى عوملت بما يعامل به ذوو الجرائر والذنوب ، وجرعت من المذلة بأوفى ذنوب . هذا مع ما حبّرته من المدح التي اشتهرت شهرة الصّباح ، وهبّت هبوب الرياح ، ولهج بها الحادي والملّاح « 5 » .
فسار بها من لا يسير مشمّرا * وغنّى بها من لا يغنّى مغردا
إلّا أنّ اللّه جلت آلاؤه ، وقدّست أسماؤه ، تدارك برحمته فأزال تلك المحنة بالمنحة ، ونسخ تلك النقمة بالنعمة ، وختم بالوصول إلى حضرة الملك الأجلّ أبى الطاهر يحيى بن تميم بن المعز بن باديس ، الذي لم تزل حضرته مصاد
هامش
( 1 ) في الأصل : « من النوب » ، صوابه في ياقوت ( 7 : 80 ) والقفطي ( 57 ) وابن أبي أصيبعة ( 2 : 60 ) . وقد اقتبس هذه الأبيات من شعر له قديم ، كما يفهم من رواية ابن أبي أصيبعة .
( 2 ) في الأصل : « كالألف » ، صوابه في ياقوت والقفطي وابن أبي أصيبعة .
( 3 ) في الأصل « كتائب أعواني » ، والصواب من المراجع .
( 4 ) في الأصل : « فخف » .
( 5 ) انظر مديحه للأفضل في ابن أبي أصيبعة ( 2 : 56 ) .