ثم انثنى عاطفا عنانه وثانيه ، فقطن بمكة شرفها اللّه وهو كعبتها الثانية تستلم أركانه كما تستلم أركان البيت العتيق ، وتستنسم أخلاقه ، كما يستنسم المسك الفتيق ، يعتقد الحجيج قصده من غفران الذنوب والخطايا ، وينشد بحضرته تمام الحج ان تقف المطايا ، ولقد رأيته بها وقد اناف على التسعين ، والناس تستعين به ولا يستعين ، والنور يسطع من أسارير جبهته ، والعز يرتع في ميادين جلهته ، ولم يزل بها إلى أن دعي فأجاب ، وكأنه الغمام امرع البلاد فانجاب ، وكانت وفاته لثلاث عشرة بقين من ذي الحجة الحرام سنة ثمان وستين والف ، رحمه اللّه تعالى ، وله شعر يدل على علو محله ، وابلاغه هدى القول إلى محله .
فمن قوله متغزلا :
يا من مضوا بفؤادي عندما رحلوا * من بعد ما في سويد القلب قد نزلوا
جاروا على مهجتي ظلما بلا سبب * فليت شعري إلى من في الهوى عدلوا
وأطلقوا عبرتي من بعد بعدهم * والعين أجفانها بالسهد قد كحلوا
يا من تعذب من تسويفهم كبدي * ما آن يوما لقطع الحبل ان تصلوا
جادوا على غيرنا بالوصل متصلا * وفي الزمان علينا مرة بخلوا
كيف السبيل إلى من في هواه مضى * عمري وما صدني عن ذكره شغل
وا حيلتي ضاع ما أوليت من زمن * إذ خاب في وصل من اهواهم الامل
في اي شرع دماء العاشقين غدت * هدرى وليس لهم ثار إذا قتلوا
يا للرجال من البيض الرشاق اما * كفاهم ما الذي بالناس قد فعلوا
من منصفى من غزال ماله شغل * عنى ولا عاقنى عن حبه عمل
نصبت اشراك صيدى في محبته * والصيد فني ولي في طرقه حيل
فصاح بي صائح خفض عليك فقد * صادوا الغزال الذي تبغيه يا رجل
فصرت كالوا له الساهي وفارقني * عقلي وضاقت علي الأرض والسبل
وقلت باللّه قل لي اين سار به * من صاده علهم في السير ما عجلوا