الباب الخامس كلام أبي مسلم « 1 »
قيل له : ما كان سبب خروج الدولة عن بني أمية ؟ فقال : ذلك لأنهم أبعدوا أولياءهم ثقة بهم ، وأدنوا أعداءهم تألّفا لهم ؛ فلم يصر العدوّ بالدّنو صديقا وصار الصديق بالعباد عدوّا .
وقيل له في حداثته : إنا نراك تأرق كثيرا ، ولا تنام كأنك موكل برعي الكواكب ، أو متوقّع للوحي من السماء . فقال : واللّه ما هو ذاك ، ولكن لي رأي جوال ، وغريزة تامة ، وذهن صاف ، وهمة بعيدة ونفس تتوق إلى معالي الأمور مع عيش كعيش الهمج والرّعاع ، وحال متناهية من الاتّضاع ، وإنّي لأرى بعض هذا مصيبة لا تجبر بسهر ، ولا تتلافى بأرق .
قيل له : فما الذي يبرد عليك ، ويشفي أجاج صدرك ؟ قال : الظفر بالملك .
قيل له : فاطلب . قال : إن الملك لا يطلب إلا بركوب الأهوال . قيل :
فاركب الأهوال . قال : هيهات . العقل مانع من ركوب الأهوال . قيل : فما تصنع وأنت تبلى حسرة وتذوب كمدا ؟ . قال : سأجعل من عقلي بعضه جهلا ، وأحاول به خطرا ، لأنال بالجهل ما لا ينال إلا به . وأدبّر بالعقل ما لا يحفظ إلا بقوته ، وأعيش عيشا يبين مكان حياتي فيه من مكان موتي عليه ، فإنّ الخمول أخو العدم والشّهرة أبو الكون .
هامش
( 1 ) أبو مسلم الخراساني : هو عبد الرحمن بن مسلم ، أبو مسلم صاحب دولة بني العباس ، ويقال له :
أمير آل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال الخطيب البغدادي : يقال له عبد الرحمن بن مسلم بن شيرون بن اسفنديار ، أبو مسلم المروزي ، صاحب الدولة العباسية ، كان فاتكا ذا رأي وعقل وتدبير وحزم ، قتله أبو جعفر المنصور بالمدائن سنة 137 ه . ( انظر البداية والنهاية 10 / 69 - 75 ) .