قال الجاحظ : لما أتى عبد الملك بن صالح وفد الروم وهو في البلاد أقام على رأسه رجالا في السّماطين لهم قصر وهام ، ومناكب وأجسام ، وشوارب وشعور ، فبينما هم قيام يكلّمونه ، ووجه رجل منهم في قفا البطريق إذ عطس عطسة ضئيلة فلحظه عبد الملك فلم يدر أيّ شيء أنكر عليه ، فلما خرج الوفد قال له : ويلك . هلا إذ كنت ضيق المنخر كزّ الخيشوم أتبعتها بصيحة تخلع بها قلب العلج .
وقال : ما الناس إلى شيء أحوج منهم إلى إقامة ألسنتهم التي بها يتعارفون الكلام ، ويتعاطون البيان ، ويتهادون الحكم ، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئها ، ويجمعون منها . إن الكلام قاض يحكم بين الخصوم ، وضياء يجلو الظّلم . حاجة الناس إلى موادّه كحاجتهم إلى موادّ الأغذية .
وقال الجاحظ : حدّثني إبراهيم بن السندي ، قال : سمعت عبد الملك يقول بعد إخراج المخلوع له من حبس الرشيد - وذكر ظلم الرشيد له ، وإقدامه عليه . وكان يأنس به ، ويثبق بمودّته وعقله . واللّه إنّ الملك لشيء ما نويته ولا تمنّيته ولا تصدّيت إليه ولا تبعته . ولو أردته لكان أسرع إليّ من السيل إلى الحدور ، ومن النّار في يابس العرفج وإني لمأخوذ بما لم أجن ، ومسؤول عمّا لا أعرف ، ولكن حين رآني للملك أهلا ، ورأى للخلافة خطرا وثمنا ، ورأى أن لي يدا تنالها إذا مدّت وتبلغها إذا بسطت ، ونفسا تكمل لها بخصالها وتستحقّها بخلالها ، وإن كنت لم أختر تلك الخصال ، ولا اصطنعت تلك الخلال ، ولم أرشّح لها في سرّ ، ولا أشرت إليها في جهر ، ورآها تحنّ إليّ حنين الواله ، وتميل نحوي ميل الهلوك . وخاف أن ترغب إلى خير مرغب . وتنزع إلى أحصن منزع ، عاقبني عقاب من قد سهر في طلبها ، ونصب في التماسها وتقدّر لها بجهده ، وتهيّأ لها بكل حيله . فإن كان إنّما حبسني على أنّي أصلح لها وتصلح لي ، وأليق بها وتليق بي ، فليس ذلك بذنب فأتوب منه ، ولا تطاولت له فأحطّ نفسي عنه . فإن زعم أنه لا صرف لعقابه ، ولا نجاة من إعطابه إلّا بأن أخرج له من الحلم والعلم ، ومن الحزم والعزم ، فكما لا يستطيع المضياع أن
نثر الدر في المحاضرات — صفحة 318
مساهمون: خالد عبد الغني محفوظ
ص٣١٨