حدثني علي بن أبي عبد اللّه الفارسي ، قال : أخبرني أبى ، قال : حدثني أحمد بن أبي طاهر ، قال : حدثني يحيى بن صالح بن بيهس الدّمشقى ، قال : حدثني أخي محمد بن صالح ، قال : لما دخلت العراق وصرت إلى مدينة السلام سألت عمن بها من الشعراء المحسنين - وذلك في خلافة الأمين أو عند قتله ؛ فقيل لي : قد غلب عليهم فتى من أهل البصرة يعرف بأبى نواس ، وقد كنت سمعت بشئ من شعره ، أتاني به فتى كان يألفنى من أهل الأدب ، فقلت له : هل تروى لأبى نواسكم هذا شيئا ؟ قال : نعم :
أروى له أبياتا في الزهد ، وليس هو من طريقته ، أنشدنيها آنفا ، قلت : وما هي ؟
قال « 65 » :
أخي ما بال قلبك ليس ينقى « 66 »
قلت : أحسن واللّه : فقال : أولا أنشدك أحسن من هذا ؟ قلت : بلى :
فأنشدني « 67 » :
ساءك الدهر بشئ * ولما سرّك أكثر
يا كبير الذّنب عفو اللّ * ه من ذنبك أكبر
قلت : وقد واللّه أحسن وأجاد ؛ وما ظننته إذا سلك غير طريقه يحسن هذا الإحسان فيه ! قال : أفما سمعت مرثيته للأمين ؟ قلت لا ! فأنشدني « 68 » :
طوى الموت ما بيني وبين محمد * وليس لما تطوى المنية ناشر [ 159 ]
فقلت : بحقّ ما غلب هذا على أهل الأدب ، وقدّموه على غيره من الشعراء .
قال « 69 » أبو الوليد يحيى بن صالح بن بيهس : فحدثت هذا الحديث أبا عبد اللّه محمد بن زياد الأعرابي ، فقال : لو كان أخوك تصفّح جملة شعره لعلم أنّ فيه من الإساءة ما يعفّى على المحاسن ، وأىّ الناس إذا تخيرت كلامه لم تجد له البيت والبيتين ! .
هامش
( 65 ) ديوانه 264 .
( 66 ) تمامه : كأنك لا تظن الموت حقا .
( 67 ) الأخبار 75 .
( 68 ) ديوانه 190 .
( 69 ) الأخبار 53 .