فإنما أراد أن يقول : عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم في السلم ، ومقتلهم عند الوغى أعذر ، فترك « في السلم » .
ومن هذا الجنس قول الحارث بن حلّزة « 19 » :
والعيش خير في ظلا * ل النّوك ممّن عاش كدّا
فأراد أن يقول : والعيش خير في ظلال النوك من العيش بكدّ في ظلال العقل ، فترك شيئا كثيرا ، وعلى أنه لو قال ذلك لكان في هذا الشعر خلل آخر ، لأنّ الذي يظهر أنه أراده هو أن يقول : إن العيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل ، فأخلّ بشئ كثير .
ومن هذا الجنس نوع آخر ، وهو كما قال بعضهم « 20 » :
لا يرمضون « 21 » إذا حرّت مشافرهم * ولا ترى منهم في الطعن ميّالا
ويفشلون إذا نادى ربيئهم * ألا اركبنّ فقد آنست أبطالا
الربىء : الطليعة ، فأراد أن يقول : « ولا يفشلون » ، فخذف « لا » ، فعاد المعنى إلى الضدّ .
قال « 22 » : ومن عيوب هذا الجنس عكس العيب المتقدم ، وهو أن يزيد في اللفظ ما يفسد به المعنى ، مثال ذلك قول بعضهم :
فما نطفة من ماء نحض عذيبة * تمنّع من أيدي رقاة ترومها
بأطيب من فيها لو انّك ذقته * إذا ليلة أسجت وغارت نجومها
فقول هذا الشاعر : « لو أنك ذقته » زيادة توهم أنه لو لم يذقه لم يكن طيبا .
[ من عيوب ائتلاف اللفظ والوزن : ]
قال « 23 » : ومن عيوب الشعر « الحشو » ، وهو أن يحشى البيت بلفظ لا يحتاج إليه
هامش
( 19 ) والصناعتين 188 .
( 20 ) والصناعتين 189 .
( 21 ) رمض الرجل : إذا اشتد عليه الحر .
( 22 ) نقد الشعر 247 .
( 23 ) نقد الشعر 247 .