من الأمطار حبالا « 1 » ، وتحدو من الغيم جبالا « 2 » ، بريح ترسل الأمواج أزواجا ، والأمطار أفواجا ، وبقينا في يد الحين « 3 » ، بين البحرين ، لا نملك عدّة غير الدّعاء ، ولا حيلة إلّا البكاء ، ولا عصمة غير الرّجاء ، وطويناها ليلة نابغيّة « 4 » ، وأصبحنا نتباكى ونتشاكى ، وفينا رجل لا يخضلّ جفنه « 5 » ، ولا تبتلّ عينه ، رخيّ الصّدر منشرحة ، نشيط القلب فرحه ، فعجبنا واللّه كلّ العجب ، وقلنا له : ما الذي أمّنك من العطب ؟
فقال : حرز لا يغرق صاحبه « 6 » ، ولو شئت أن أمنح كلّا منكم حرزا لفعلت ، فكلّ رغب إليه ، وألحّ في المسألة عليه ، فقال : لن أفعل ذلك حتّى يعطيني كلّ واحد منكم دينارا الآن ، ويعدني دينارا إذا سلم .
قال عيسى بن هشام : فنقدناه « 7 » ما طلب ، ووعدناه ما خطب « 8 » ، وآبت يده إلى جيبه « 9 » فأخرج قطعة ديباج ، فيها حقّة عاج « 10 » ، قد ضمّن صدرها رقاعا ، وحذف كلّ واحد منّا بواحدة منها ،
هامش
( 1 ) أي غطتنا غيمة يتساقط منها الماء كالحبال .
( 2 ) أي تسوق غيوما كالجبال .
( 3 ) الحين : الموت .
( 4 ) ليلة نابغية : نسبة إلى النابغة الذبياني الشاعر الجاهلي ، الذي بالغ في اعتذارياته التي وجهها إلى النعمان أبي قابوس ملك الحيرة ، في وصف ما يعانيه من قلق وسهاد وخوف وهم .
( 5 ) يخضل : يبتل .
( 6 ) الحرز : ورقة تكتب وتعلق بالعنق تقي حاملها من الشرور .
( 7 ) نقدناه : دفعنا له نقدا أو مالا .
( 8 ) خطب : طلب .
( 9 ) آبت : رجعت .
( 10 ) حقة عاج : وعاء من عظم الفيل .