تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقامات بديع الزمان الهمذاني — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
زره تزر ملكا يعطي بأربعة * لم يحوها أحد ، وانظر إليه ترى « 1 » أيّامه غررا ، ووجهه قمرا ، * وعزمه قدرا ، وسيبه مطرا ما زلت أمدح أقواما أظنّهم * صفو الزّمان ؛ فكانوا عنده كدرا
قال عيسى بن هشام : فقلت : من هذا الملك الرّحيم الكريم ؟ فقال : كيف يكون ، ما لم تبلغه الظّنون ؟ وكيف أقول ، ما لم تقبله العقول ؟ ومتى كان ملك يأنف الأكارم ، إن بعثت بالدّراهم « 2 » ؟ والذّهب ، أيسر ما يهب ، والألف ، لا يعمّه إلّا الخلف ، وهذا جبل الكحل قد أضرّ به الميل ، فكيف لا يؤثّر ذلك العطاء الجزيل « 3 » ؟ وهل يجوز أن يكون ملك يرجع من البذل إلى سرفه ، ومن الخلق إلى شرفه ، ومن الدّين إلى كلفه « 4 » ، ومن الملك إلى كنفه ، ومن الأصل إلى سلفه ، ومن النّسل إلى خلفه :
فليت شعري من هذي مآثره * ما ذا الّذي ببلوغ النّجم ينتظر ؟
هامش
( 1 ) يعطي بأربعة : ذكرها في البيت التالي : الأيام الغرر ، والوجه الذي يشبه القمر ، وعزمه الذي يحكي القدر ، وسيبه أو عطاؤه الذي يشبه المطر . ( 2 ) أي يحتقر ما يعطيه الأكارم من المال لأنه يعطي أكثر منها . ( 3 ) أي أن عطاء خلف وكرمه يفنيان ماله ، كالخلف ( الفأس ) التي تحطم الحائط ، والميل الذي يفني جبل الكحل . ( 4 ) أي أن خلفا أسرف في البذل وشرّف في الخلق وأحب الدين حبا شديدا .
مقامات بديع الزمان الهمذاني — صفحة 190 | علي أبو ملحم / أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني