ضاق ، ووسع الآفاق ؟ وأيّ بيت رجع ، فهاج الوجع ؟ وأيّ بيت نصفه ذهب ، وباقيه ذنب ؟ وأيّ بيت بعضه ظلام ، وبعضه مدام ؟ وأيّ بيت جعل فاعله مفعولا ، وعاقله معقولا ؟ وأيّ بيت كلّه حرمة ؟ وأيّ بيتين هما كقطار الإبل ؟ وأيّ بيت ينزل من عال ؟ وأيّ بيت طيرته في الفال ؟ وأيّ بيت آخره يهرب ، وأوّله يطلب ؟ وأيّ بيت أوّله يهب ، وآخره ينهب ؟
قال عيسى بن هشام : فسمعنا شيئا لم نكن سمعناه ، وسألناه التّفسير فمنعناه ، وحسبناها ألفاظا قد جوّد نحتها ، ولا معاني تحتها ، فقال : اختاروا من هذه المسائل خمسا لأفسّرها ، واجتهد في الباقي أيّاما ، فلعلّ إناءكم يرشح ، ولعلّ خاطركم يسمح ، ثمّ إن عجزتم فاستأنفوا التّلاقي ، لأفسّر الباقي ، وكان ممّا اخترنا البيت الذي سمج وضعه وحسن قطعه « 1 » ، فسألناه عنه فقال : هو قول أبي نواس :
فبتنا يرانا اللّه شرّ عصابة * تجرّر أذيال الفسوق ولا فخر
قلنا : فالبيت الّذي حلّه عقد ، وكلّه نقد « 2 » ، فقال : قول الأعشى :
دراهمنا كلّها جيّد * فلا تحبسنّا بتنقادها
وحلّه أن يقال * دراهمنا جيّد كلّها * ولا يخرج بهذا الحلّ عن وزنه . قلنا : فالبيت الّذي نصفه مدّ ، ونصفه ردّ ، قال : قول البكريّ :
أتاك دينار صدق * ينقص ستّين فلسا
من أكرم النّاس إلّا * أصلا وفرعا ونفسا
هامش
( 1 ) أي البيت الذي ساء معناه وحسن لفظه . وقد مر في المقامة العراقية .
( 2 ) تنقاد الدراهم : فحصها لمعرفة جيدها من زيفها . والنقد : المال من ذهب وفضة .