وقفتها على التّجارة ، وحانوت جعلته مثابة « 1 » ، ورفقة اتّخذتها صحابة ، وجعلت للدّار ، حاشيتي النّهار « 2 » ، وللحانوت بينهما ، فجلسنا يوما نتذاكر القريض وأهله ، وتلقاءنا « 3 » شابّ قد جلس غير بعيد ينصت وكأنّه يفهم ، ويسكت وكأنّه لا يعلم حتّى إذا مال الكلام بنا ميله ، وجرّ الجدال فينا ذيله « 4 » ، قال : قد أصبتم عذيقه ، ووافيتم جذيله « 5 » ، ولو شئت للفظت وأفضت ، ولو قلت لأصدرت وأوردت « 6 » ، ولجلوت الحقّ في معرض بيان يسمع الصّمّ ، وينزل العصم ، فقلت : يا فاضل ادن فقد منّيت ، وهات فقد أثنيت ، فدنا وقال : سلوني أجبكم ، واسمعوا أعجبكم .
فقلنا : ما تقول في امرئ القيس ؟ « 7 » قال : هو أوّل من وقف بالدّيار وعرصاتها « 8 » ، واغتدى والطّير في وكناتها « 9 » ، ووصف الخيل
هامش
( 1 ) مثابة : مكان الإقامة .
( 2 ) حاشيتي النهار : طرفي النهار ، أي صباحه ومساءه .
( 3 ) تلقاءنا : قبالتنا .
( 4 ) جرّ الجد فينا ذيله : جرى بيننا نقاش .
( 5 ) قد أصبتم عذيقه ووافيتم جذيله : العذيق تصغير العذق أي النخلة وثمارها .
والجذيل تصغير الجذل أي العود الذي يحك به الأجرب جلده . والمعنى أنكم أدركتم صاحب البيان الذي تنشدونه . وربما نظر الهمذاني في هذه العبارة إلى القول المأثور عن الحباب بن المنذر « أنا عذيقها المرجب وجذيلها المحكك » .
( 6 ) أصدر وأورد : رجع عن الماء وأتاه . والمعنى أنه يقدم الكلام ويؤخره أو يتصرف فيه كما يشاء .
( 7 ) امرؤ القيس : شاعر جاهلي فحل من أصحاب المعلقات العشر . لها في شعره وتغزل ووصف . امتاز قريضه بجودة السبك والجزالة وحسن التشبيه .
( 8 ) عرصات الديار : باحاتها .
( 9 ) وكنات الطير : أعشاشها .