والفرزدق ؟ « 1 » أيّهما أسبق ؟ فقال : جرير أرقّ شعرا ، وأغزر غزرا ، والفرزدق أمتن صخرا ، وأكثر فخرا ، وجرير أوجع هجوا ، وأشرف يوما ، والفرزدق أكثر روما ، وأكرم قوما ، وجرير إذا نسب أشجى ، وإذا ثلب أردى ، وإذا مدح أسنى ، والفرزدق إذا افتخر أجزى ، وإذا احتقر أزرى ، وإذا وصف أوفى ، قلنا : فما تقول في المحدثين من الشّعراء والمتقدّمين منهم ؟ قال : المتقدّمون أشرف لفظا . وأكثر من المعاني حظّا ، والمتأخّرون ألطف صنعا ، وأرقّ نسجا ، قلنا : فلو أريت من أشعارك ، ورويت لنا من أخبارك ، قال : خذهما في معرض واحد ، وقال :
أما تروني أتغشّى طمرا * ممتطيا في الضّرّ أمرا مرّا « 2 »
مضطبنا على اللّيالي غمرا * ملاقيا منها صروفا حمرا « 3 »
أقصى أمانيّ طلوع الشّعرى * فقد عنينا بالأماني دهرا « 4 »
وكان هذا الحرّ أعلى قدرا * وماء هذا الوجه أغلى سعرا « 5 »
هامش
( 1 ) الفرزدق : هو همام بن غالب بن صعصعة التميمي عاش في القرن الأول الهجري في العصر الأموي ، واتصل بالخلفاء ومدحهم شأنه شأن الأخطل وجرير ، ولكنه مدح أيضا زين العابدين علي بن الحسين في ميميته المشهورة .
( 2 ) أتغشى طمرا : ارتدي ثوبا باليا . وممتطيا أمرا مرا : راكبا العسرة .
( 3 ) مضطبنا : حاملا . غمرا : حقدا . الصروف الحمر : النوازل الشديدة .
( 4 ) الشعرى : نجم في السماء يظهر عند الفجر . يريد أن يقول إنه يتطلع إلى انتهاء الليل ليتخلص من الأرق .
( 5 ) هذا الحر : يعني نفسه ، إنه كان سيدا عالي القدر لا يريق ماء وجه مستعطيا .
وكان يعيش في السراء بإيوان كسرى ودارا من ملوك الفرس . ولكن الدهر قلب له ظهر المجن وتنكر له فغدا فقيرا معدما ، ولولا امرأته العجوز وأولاده الصغار المقيمون بسر من رأى لقتل نفسه .