الضّجر ، وركوب الخطر ، وإدمان السّهر ، واصطحاب السّفر ، وكثرة النّظر ، وإعمال الفكر ، فوجدته شيئا لا يصلح إلّا للغرس ، ولا يغرس إلّا في النّفس « 1 » ، وصيدا لا يقع إلا في النّدر « 2 » ، ولا ينشب إلّا في الصّدر « 3 » ، وطائرا لا يخدعه إلّا قنص اللّفظ ، ولا يعلقه إلّا شرك الحفظ « 4 » ، فحملته على الرّوح ، وحبسته على العين « 5 » ، وأنفقت من العيش ، وخزنت في القلب ، وحرّرت بالدّرس « 6 » ، واسترحت « 7 » من النّظر إلى التّحقيق ، ومن التّحقيق إلى التّعليق ، واستعنت في ذلك بالتّوفيق ، فسمعت من الكلام ما فتق السّمع ووصل إلى القلب وتغلغل في الصّدر ، فقلت : يا فتى ، ومن أين مطلع هذه الشّمس ؟
فجعل يقول :
إسكندريّة داري * لو قرّ فيها قراري
لكنّ بالشّام ليلي * وبالعراق نهاري
هامش
( 1 ) يعني أن العلم كالغرس أو الزرع لا ينال دفعة واحدة بل يقتضي غرس النصوب أو البذور أولا ثم تعهدها بالعناية والسقاية والانماء حتى تنمو وتورق وتزهر وتحمل الثمار وتينع الخ . والنفس هي التربة الصالحة للغرس والزرع وليس الجسم .
( 2 ) يعني أن العلم كالصيد يقتنص اقتناصا ولا يحالف المرء التوفيق دائما في إدراكه .
( 3 ) لا ينشب إلا في الصدر : لا يعلق إلا في الصدر .
( 4 ) يعني أن العلم كالطائر لا سبيل لقنصه إلا اشراك اللفظ ولا لتملكه إلا الحفظ .
( 5 ) يعني أنه حمل العلم في روحه ورعاه في عينه .
( 6 ) حررت المسائل : وقفت على دقائقها .
( 7 ) استرحت : أي انتقلت . يعني أنه كان ينظر في المسائل أو يفكر فيها ثم يتحقق منها ويعلق عليها أو يبدي رأيه فيها .