وزهد أهلك ورهطك فيك « 1 » . يا بنيّ ! إنّي جرّبت حقائق الأمور ، وبلوت « 2 » تصاريف الدّهور « 3 » ، فرأيت المرء بنشبه « 4 » ، لا بنسبه . والفحص « 5 » عن مكسبه ، لا عن حسبه ، وكنت سمعت أنّ المعايش « 6 » إمارة وتجارة وزراعة وصناعة ، فمارست هذه الأربع ، لأنظر أيّها أوفق وأنفع ، فما أحمدت منها معيشة ، ولا استرغدت فيها عيشة « 7 » . أمّا فرص الولايات ، وخلس الإمارات « 8 » ، فكأضغاث الأحلام « 9 » ، والفيء « 10 » المنتسخ « 11 » بالظّلام ، وناهيك « 12 » غصّة « 13 » بمرارة الفطام « 14 » . وأمّا بضائع التّجارات ، فعرضة « 15 » للمخاطرات ، وطعمة « 16 » للغارات ، وما أشبهها بالطّيور الطّيارات . وأمّا اتّخاذ الضّياع « 17 » ، والتّصدّي « 18 » للازدراع « 19 » ، فمنهكة
هامش
( 1 ) أي قلت رغبتهم فيك ورهط الرجل قومه وقبيلته .
( 2 ) أي خبرت .
( 3 ) أي تقلباتها .
( 4 ) أي بماله .
( 5 ) البحث الشديد .
( 6 ) أي أسبابها ويحكى أن المأمون قال أمور الدنيا أربعة فعدّ هذه ثم قال فمن لم يكن أهلها كان كلّا على الناس .
( 7 ) أي ولا وجدت فيها معيشة رغدا أي واسعة طيبة .
( 8 ) أصل الفرص ما تدركه من المنافع بدون تعنّ والولايات جمع الولاية بالكسر الاسم وبالفتح المصدر وأما الخلس فالمراد بها ما تحصل عليه بسرعة قبل غيره .
( 9 ) هي الرؤيا التي لا تفسير لها لاختلاطها .
( 10 ) الظل .
( 11 ) أي الزائل .
( 12 ) أي ويكفيك .
( 13 ) هي ما يغص به الآكل أو الشارب .
( 14 ) الباء زائدة أي حسبك من الإمارة ما للعزل من المرارة وفي أمثال المولدين الإمارة حلوة الرضاع مرة الفطام وقد نظم هذا المعنى من قال :سكر الولاية طيب * وخمارها مرّ شديد
كم تائه بولاية * وبعزله يسعى البريدوعن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال إنكم ستحرصون على الإمارة وستصير ندامة وحسرة يوم القيامة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة .
( 15 ) أي معرّضة .
( 16 ) أي طعام .
( 17 ) جمع ضيعة .
( 18 ) التعرض .
( 19 ) أي للزرع .