المقامة الأولى الصّنعانيّة « 1 »
حدّث الحارث بن همّام قال : لمّا اقتعدت غارب الاغتراب « 2 » ، وأنأتني « 3 » المتربة « 4 » عن الأتراب « 5 » . طوّحت بي « 6 » طوائح « 7 » الزّمن ، إلى صنعاء اليمن .
فدخلتها خاوي « 8 » الوفاض « 9 » ، بادي الإنفاض « 10 » . لا أملك بلغة ، ولا أجد في جرابي مضغة « 11 » . فطفقت أجوب طرقاتها مثل الهائم « 12 » ، وأجول في حوماتها جولان الحائم « 13 » . وأرود في مسارح لمحاتي ، ومسايح غدواتي وروحاتي « 14 » ، كريما أخلق له ديباجتي « 15 » ، وأبوح إليه بحاجتي ، أو أديبا تفرّج رؤيته غمّتي « 16 » ،
هامش
( 1 ) ابتدأ بها لأنه يروى أن صنعاء أول بلدة صنعت بعد الطوفان .
( 2 ) غارب كل شيء أعلاه واقتعده اتخذه قعدة والغارب الكاهل وهو مقدم ظهر الدابة فاستعاره للاغتراب وهو التغرب عن الوطن .
( 3 ) أي أبعدتني .
( 4 ) الفقر لأنها تلصق صاحبها بالتراب .
( 5 ) جمع ترب بالكسر وترب الرجل لدته الذي نشأ معه .
( 6 ) رمت .
( 7 ) أي خطوبه وقواذفه .
( 8 ) أي فارغ .
( 9 ) جمع وفضة وهي خريطة من أدم يجعل فيها الراعي زاده .
( 10 ) أنفض الرجل إذا فني زاده وماله .
( 11 ) البلغة ما يتبلّغ به من العيش وهو اليسير من الزاد والمضغة هي ما يمضغ .
( 12 ) أي جعلت أقطع طرقاتها بالطواف فيها مثل الحيران .
( 13 ) طائر إذا اشتد به العطش ورد الماء فحام عليه حتى يغرق وهو يشربه فإن ناله الماء تساقط ريشه .
( 14 ) مسارح اللمحات هي المواضع التي يجول فيها النظر والمسائح جمع مسيحة من ساح في الأرض يسيح إذا ذهب والغدوات والروحات بمعنى الذهاب والمجيء .
( 15 ) أي أبذل له وجهي .
( 16 ) الغمة ما على القلب من الغم .