تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤

المطلب الخامس في فروع علم أصول الدين

واعلم أن المتقدمين من علماء الكلام ، لما رأوا أن الغاية القصوى من العلوم معرفة اللّه تعالى وصفاته ، وما يتفرع عليها من أحوال النبوة والمعاد ، بحثوا عن هذه الأمور ، وجعلوا البحث عما تتوقف هي عليه من أحوال الموجودات بطريق المبدئية ، على قدر الحاجة ، ولذلك ترى كتب الأقدمين عن السلف الصالحين ، مقصورة على المباحث المذكورة . ثم أن من يليهم من العلماء ، لما رأوا أن تلك المبادئ من مسائل العلم الإلهي ، وتحاشوا عن أن يحتاج علم العقائد إلى علوم الفلاسفة ، عمموا موضوعه ، فبحثوا عن أحوال الموجودات الخارجية مطلقا ، ليكون لهم علم شرعي بإزاء العلم الإلهي للفلاسفة ، ويمتاز عنها بأن يبحث في الكلام على قواعد الشرع ، وفي الإلهي على مقتضى العقول ، وافق الملل والشرائع أم لا . ثم أن من يليهم من العلماء ، لما رأوا أن علمهم هذا لا يستغني عن القواعد المنطقية التي وضعتها الفلاسفة ، ورأوا أن احتياج علم شرعي إلى علم غير شرعي ، غير مرضي عند المتشرعين ، عمموا موضوع العلم المذكور مرة أخرى ، وجعلوا موضوعه المعلوم المتناول للموجود الخارجي والموجود الذهني ، الذي هو موضوع المنطق ، وذلك لأن موضوعه المعقولات الثانية الموجودة في الذهن فقط ، فعلى هذا الذي استقر عليه رأيهم آخرا ، صار موضوعه أعم المفهومات كلها ، بحيث اندرج فيها موضوعات جميع العلوم . وقد تقرر في موضعه أن الاصالة والفرعية بين العلوم العقلية ، أن يكون موضوع الفرع من أنواع موضوع الأصل ، فعلى هذا يكون جميع العلوم ، من فروع علم الكلام ، لأن موضوعه أعم الموضوعات كلها ، ولهذا لم نتعرض لفروع علم الكلام أصلا ، لا لعدم فروعه .