وعن بعض الأعراب أنه لما سمع قوله تعالى :
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ
« 1 » ، صاح وقال : من ذا الذي أغضب الجليل حتى ألجأه إلى اليمين .
واعلم أن القسم لا يكون الا باسم معظم ، وقد أقسم اللّه تعالى بنفسه في القرآن في سبعة مواضع ، والباقي كله قسم بمخلوقاته . فإن قيل : ورد النهي عن القسم بغير اللّه تعالى ، أجيب عنه بوجوه :
أحدها : أنه على حذف مضاف ، أي : ورب التين ، ورب الشمس وأمثالها .
وثانيها : نزل القرآن على ما يعرفه العرب من القسم مما يعظمونه من المخلوقات .
وثالثها : أن القسم يكون على ما فوق شخص ، واللّه تعالى ليس فوقه أحد ، فتارة يقسم بنفسه ، وتارة بمصنوعاته ، لأنها تدل على بارئ وصانع .
علم معرفة جدل القرآن
صنف فيه نجم الدين الطوفي . قال العلماء : اشتمل القرآن على جميع أنواع البراهين والأدلة ، وما من برهان ودلالة وتقسيم وتحديد ينبئ عن كليات المعلومات العقلية والسمعية ، إلا وكتاب اللّه قد نطق به ، لكن أورده على عادة العرب دقائق طرق المتكلمين لأمرين :
أحدهما : بسبب ما قال :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
« 2 » .
والثاني : أن المائل إلى دقيق المحاجة ، هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام ، فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون ، لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون ، ولم يكن ملغزا . فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجلى صورة ، ليفهم العامة من جليلها ما يقنعهم ،
هامش
( 1 ) سورة الذاريات ، آية : 23 .
( 2 ) سورة إبراهيم ، آية : 4 .