الكشاف ، في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها
« 1 » .
واعلم أن أهل البيان أطبقوا على أن تقديم المعمول يفيد الحصر ، سواء كان مفعولا أو ظرفا أو مجرورا ، ومثلوا ب
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
« 2 » ، وخالفهم ابن الحاجب في خطبة ( المفصل ) في قوله : اللّه أحمد ، وقال التقديم للاهتمام والاختصاص الذي يتوهمه كثير من الناس وهم . واعترض أيضا أبو حيان بنحو :
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي
« 3 » .
وأجيب : بأنه لما كان من أشرك باللّه غيره ، كأنه لم يعبد اللّه ، كان أمرهم بالشرك ، كأنه أمر بتخصيص غير اللّه بالعبادة . ورد أيضا صاحب ( الفلك الدائر ) بقوله تعالى :
كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ
« 4 » ، وهو أقوى ما رد به . وأجيب : بأنه لا يدعى فيه اللزوم بل الغلبة ، وقد يخرج الشيء عن الغالب .
قال الشيخ بهاء الدين : وقد اجتمع الاختصاص وعدمه في قوله تعالى :
أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
« 5 » ، « بل إياه تدعون ، فإن التقديم الأول ليس للاختصاص والثاني للاختصاص . هذا وقال والده الشيخ تقي الدين السبكي في كتاب ( الاقتناص ) ما حاصله وتلخيصه أن البيانيين على إفادة تقديم المعمول الاختصاص ، ومن الناس من ينكر ذلك ، ويقول انما يفيد الاهتمام فقط . إلا أن الاختصاص غير الحصر ، والفضلاء لم يقولوا أنه يفيد الحصر ، بل قالوا يفيد الاختصاص . والفرق بينهما أن الحصر اثبات المذكور ونفي غير المذكور ؛ والاختصاص فصل الخاص من جهة خصوصه ، إذ الخصوص مركب من معنى عام مشترك بين الشيئين أو أشياء ، ومن معنى ينضم إليه
هامش
( 1 ) سورة الزمر ، آية : 17 .
( 2 ) سورة الفاتحة ، آية : 5 .
( 3 ) سورة الزمر ، آية : 64 .
( 4 ) سورة الأنعام ، آية : 84 .
( 5 ) سورة الأنعام ، آية : 40 .