وقال آخر :
ولا تك ممّن إن نأى عنه صاحب * فغاب عن العينين غاب عن القلب
* الحثّ على مداجاة العدوّ
قيل : إذا صافاك عدوّك رياء فتلقّى مصافاته بأوكد مودة ، فإنه إذا ألف ذلك اعتاده وخلصت مودّته . وقال ابن السماك : لن لمن يجفو فقلّ من يصفو .
وقال ابن الحنفية : ليس بحكيم من لم يعاشر من لم يجد عن معاشرته بدّا حتى يجعل له فرجا ومخرجا . قال التنوخي :
ألقى العدوّ بوجه لا قطوب به * يكاد يقطر من ماء البشاشات « 1 »
فأحزم الناس من يلقى أعاديه * في جسم حقد وثوب من مودّات
* وصف أخوّة صادقة
مدح أعرابي صديقا فقال : مجالسته غنيمة وصحبته سليمة ومؤاخاته كريمة ، هو كالمسك إن بعته نفق وإن تركته عبق « 2 » .
وعاتب رجل خليله فقال : لو علمت أن يومي أهنأ من يومك لاخترت أن أوثرك به .
قال شاعر :
وذي لطف لو كان يعلم أنّه * شفائي دم من جوفه لسقاني
وقال آخر :
قد تخللت مسلك الرّوح منّي * وبذا سمّي الخليل خليلا
وقيل : لم يسمع بأطيب وأعذب من قول البحتري « 3 » :
وجدت نفسك من نفسي بمنزلة * هي المصافاة بين الماء والرّاح « 4 »
وقال يصف خليلا :
أخ وأب لي ثم أمّ شفيقة * تفرّق في الأحباب ما هو جامعه
سلوت به عن كلّ من كان قبله * وأذهلني عن كائن هو تابعه
ولآخر :
ونحن كروح بين جسمين قسّما * فجسماهما جسمان والروح واحد
هامش
( 1 ) القطوب : العبوس .
( 2 ) عبق : فاح وانتشرت رائحته .
( 3 ) البحتري : أبو عبادة ( 820 - 897 ) شاعر عربي طائي ولد في منبج اختص بالمتوكل ووزيره الفتح بن خاقان . اشتهر بالوصف وله كتاب الحماسة على مثال حماسة أستاذه أبي تمّام .
( 4 ) المصافاة : التصافي - الراح : الخمر - يقول : إن نفسينا في صفاء وانسجام كالماء والخمر .