تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء — صفحة 819

مساهمون:

ص٨١٩

التّزهزه للمغني

قيل : أول صلة المغني أن يقال له أحسنت . وحضر جحظة مجلس بعض الكبار مرارا ، وكان إذا تغنى يقول له : أحسنت ، ولم يكن يخوله شيئا ، فقال فيه :
إن تغنيت قال أحسنت زدني * وبأحسنت لا يباع الدّقيق

استطابة الغناء والمغنّي

سمع رجل غناء طيبا ، فقيل له كيف تسمعه ؟ فقال : وددت أن جميع أعضائي مسامع أسمعه بها ، فأخذ ذلك الشاعر ، فقال :
غنّت فلم تبق فيّ جارحة * إلا تمنّت بأنّها أذن
وقال آخر :
إذا هي غنّت أبهت الناس حسنها * وأطرق إجلالا لها كل حاذق « 1 »
وصف ابن شريح مغنيا ، فقال : كأنما خلق من كل قلب فيغني لكل ما أحب . وقيل لابن جامع : إنك حسن الإيقاع ، فقال : برئت من الإسلام إن كنت ضرطت منذ ثلاثين سنة إلا بالإيقاع ، فكيف أخرج منه في الغناء . وقال الواثق : غناء علوية مثل نقر الطست يبقى في السمع بعد سكوته . قال إبراهيم الموصلي : عشقت جارية فهجرت اللذات من أجلها ، فبينا أنا جالس إذ استؤذن عليّ لشيخ معه جارية ، فأذنت له فدخل ، فإذا هي صاحبتي ، فجلس الشيخ وقال : أشرب ، فدعوت بالنبيذ فشرب ثلاثة أقداح ، وقال لي : غن يا أبا إسحاق فتعجبت من جراءته عليّ ، وذلك أن الخليفة كان ينزهني عن ذلك ، ثم غنيت ، فأخذ العود واندفع يغني :
سرى يخبط الظلماء والليل عاكف * غزال بأوقات الزّيارة عارف « 2 » فما راعني إلا سلام عليكم * أأدخل قلت أدخل لما أنت واقف
فتزعزعت الحيطان وأغمي عليّ وعلى الحاضرين من الغلمان ، فلما أفقت إذا بجارية جالسة والشيخ لم أره ، فسألت البواب ، فقال : لم أره ، وسألت الجارية ، فقالت : لا أدري ، إلا أنه جاءني على لسانك فلم أجسر على مخالفته ، فعلمت أنه أبو مرّة . وسمع إبراهيم الموصلي غناء مخارق وعلوية ، فقال : نعم الفسيلتان أنتما لإبليس في الأرض . وقيل : لم يكن في الإسلام أحسن صوتا من مخارق ، غنى يوما في منتزه وقد سنحت ظباء فجاءت إعجابا بغنائه ، وتوسط دجلة يوما وغنّى فلم يبق أحد إلّا بكى ، وكان أبوه جزّارا فكان ينادي على اللحم في صغره فيفتن الناس بحسن صوته ، وكان إذا تنفس يطرب من سمع تنفسه .
هامش
( 1 ) أبهت : أدهش وحيّر - أطرق إجلالا : انحنى احتراما . ( 2 ) سرى : سار ليلا - الليل عاكف : مقيم .