فلما بلغ قوله :
إذا تغدّى رفعت ستوره
أمسك حتى بلغنا المنزل ، فقلنا : لم لم تكن تنشد قبل هذا ؟ فقال : تفاديا من أن تحسبوني أعرّض بزادكم .
حمد الرّضا بما يتسهّل
قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : كفى بالمرء عيبا أن يتسخّط ما قرب إليه . وقيل : كل في شهوة أهلك . قال الأصمعي : رأيت إعرابية تأكل قشور الرمان ، فقلت : ما هذا ؟ قالت : أدفع به الجوع ، فإن الجوع إذا دفعته بشيء اندفع . قال شاعر :
تنافس في طيب الطعام وكلّه * سواء إذا ما جاوز اللهوات
وقال ابن الرومي :
ومتى شرهت فإنّ أيسر لذّة * لك إن نظرت مع السلام كافية
وقال آخر :
وما هي إلا جوعة إن سددتها * فكلّ طعام بين جنبيك واحد
وقال آخر :
وما أكلة إن نلتها بغنيمة * ولا جوعة إن جعتها بغرام
وقال بعضهم : لقيت أعرابيا ، فقلت من أين ؟ فقال : من البادية من جبل ضربة ، أرض لا نبتغي بها بدلا ولا عنها حولا ، في أرغد عيش وأنعم معيشة ، فالحمد للّه على ما بسط من السعة ورزق من حسن الدعة ، أو ما سمعت قول قائلنا :
إذا ما أصبنا كلّ يوم مذيقة * وخمس تميرات صغار هوامز « 1 »
فنحن ملوك النّاس خصبا ونعمة * ونحن أسود الغاب وقت الهزاهز « 2 »
وكم متمن عيشة لا ينالها * ولو نالها أضحى بها جدّ فائز
الشّاكي عدم المآكل
قيل لرجل : بم تسحرت البارحة ؟ فقال : باليأس عن الفطور الليلة . وقيل لرجل : ما تأكل ، قال : الخبز والزيت ، فقيل : أتصبر عليهما ، فقال : ليتهما صبرا عليّ . قال جرير :
تكلّفني معيشة آل زيد * ومن لي بالمرقّق والصّناب « 3 »
وقال أعرابي لامرأته : لو كان عندنا تمر وسمن لطلبنا دقيقا واستعرنا طنجيرا واتخذنا
هامش
( 1 ) الحذيقة : اللبن الممزوج بالماء - الهوامز : المعصورة أو المكسرة .
( 2 ) الهزاهز : البلايا والحروب .
( 3 ) المرقق : الرغيف المرقق الواسع - الصّناب : إدام يتّخذ من الخردل والزيت ، واللفظة يونانية .