التحذير ممّن يمدحك في وجهك تصنّعا
قيل : أعوذ باللّه من صديق يطري وجليس يغري . وكان رجل يكثر الثناء على أمير المؤمنين علي رضي اللّه تعالى عنه ، وعلم من قلبه خلاف قوله ، فقال له : أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك . قال الجاحظ : شر الشكر ثناء المواجه لك المسرف في مدحك وخيره ثناء الغائب عنك المقتصد في وصفك .
وصف العتابي رجلا بالمداهنة ، فقال : ذلك إن وجد مادحا مدح وإن وجد قادحا قدح وإن استودع سرا افتضح .
قال أبو فراس :
ولا تقبلنّ القول من كل قائل * سأرضيك مرأى لست أرضيك مسمعا
التحذير ممّن يتجاوز الحدّ في مدحك
قيل : كن ممن أفرط في تزكيتك أحذر ممن أفرط في الزراية بك . وقيل : من مدح الرجل بما ليس فيه فقد بالغ في ذمه . وفي المثل : من حفنا أو رفنا فليقتصد . وقيل : من أحب أن يمدح بما ليس فيه استهدف للسخرية .
من وضع نفسه وكره الثناء
لما ولي أبو بكر رضي اللّه عنه خطب فقال : إني وليتكم ولست بخيركم فلما بلغ الحسن قوله قال : بلى ولكن المؤمن يهضم نفسه . وقال الفضيل : لو شممتم رائحة الذنوب مني ما قربتموني ، وأثنى على زاهد فقال : لو عرفت مني ما عرفت من نفسي لأبغضتني .
قال المتنبّي :
يحدّث عن فضله مكرها * كأنّ له منه قلبا حسودا « 1 »
ما يقول الفاضل عند مدح الناس له
كان أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يقول إذا مدح : اللهم أنت أعلم مني بنفسي منهم ، اللهم اجعلني خيرا مما يحسبون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون . وقيل لأعرابي : ما أحسن الثناء عليك ، فقال : بلاء اللّه عندي أحسن من وصف المادحين وإن أحسنوا وذنوبي إلى اللّه أكثر من عيب الذامين وإن أكثروا .
النهي عن المدح قبل الاختبار
قيل : لا تهرف قبل أن تعرف . وقيل : لا تحمدنّ أمة عام شرائها ولا حرة قبل بنائها .
وقال رجل لعمر رضي اللّه عنه : إن فلانا رجل صدق فقال : هل سافرت معه أو ائتمنته ، قال
هامش
( 1 ) أي لأنه لا يحب نشر فضائله بين الناس ، كما لا يحب الحاسد نشر فضائل المحسود .