قال المسيّب بن عيسى :
أنت الوفيّ فما تذمّ وبعضهم * يوفى بذمّته عقاب الملاع « 1 »
وقال أعرابي : فلان لا يشكره الخنى « 2 » ولا يشكوه الوفا . قال التنوخي :
عظائم لو أنّ السموأل خافها * لخان امرأ القيس الوكيد من العهد « 3 »
من التزم مكروها في التزام الوفاء
قيل : أكرم الوفاء ما كان عند الشدّة وألأم الغدر ما كان عند الثقة ، كان السموأل أودعه امرؤ القيس دروعا ، فقصده الملك وأخذ ابنه وقال : إن دفعت الدروع إليّ وإلّا ذبحت ابنك ، فقال : أجّلني يوما . فجمع عشيرته واستشارهم فكلّ أشار بأن يدفع إليه .
فلما أصبح قال : ليس إلى دفعها سبيل ، فافعل ما بدا لك . فذبح الملك ابنه . فوافى السموأل بالدروع الموسم ودفعها إلى ورثة امرئ القيس ، فقال « 4 » :
وفيت بأدرع الكندي إنّي * إذا ما خان أقوام وفيت « 5 »
وفيه قال الأعشى وهي أبيات جيّدة رائقة « 6 » :
كن كالسّموأل إذ طاف الهمام به * في جحفل كسواد الليل جرّار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله * حصن حصين وجار غير غدّار « 7 »
قد سامه خطّتي خسف فقال له * قل ما بدا لك إني سامع حار « 8 »
فقال ثكل وغدر أنت بينهما * فاختر وما فيهما حظّ لمختار
فشكّ غير طويل ، ثمّ قال له * أقتل أسيرك إنّي مانع جاري « 9 »
وعمير بن سليم الحنفي كان يقصده السواقط « 10 » فلا يتعرض لقصّاده ، وكان مرداس في سجن عبيد اللّه بن زياد فقال له السجّان : أنا أحب أن أوليك حسني ، فإن أذنت لك في
هامش
( 1 ) الملاع : المفازة لا نبات فيها .
( 2 ) الخنى : الفحش في الكلام .
( 3 ) العظائم : جمع عظيمة وهي النازلة الشديدة - السموأل : هو السموأل بن عاديا ، شاعر عربي يهودي عاش في القرن السادس الميلادي وهو صاحب الحصن الأبلق ، وهو مضرب المثل في الوفاء لأنه آثر أن يقتل ابنه على أن يخون عهده أو أمانته ، بعد أن أودع عنده امرؤ القيس دروعه ( انظر قصة ذلك في مقدمة شرحنا ديوان السموأل ، منشورات دار الأرقم ) . وللسموأل قصيدته اللامية الشهيرة ومطلعها :إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه * فكلّ رداء يرتديه جميل( 4 ) انظر الديوان .
( 5 ) الكندي : أي امرؤ القيس وهو من بني كندة .
( 6 ) انظر ديوان الأعشى ( منشورات دار الأرقم - بيروت ) ص 88 .
( 7 ) الأبلق : حصن للسموأل ( انظر معجم البلدان لياقوت ) .
( 8 ) حار : مخفّف الحارث .
( 9 ) فشكّ : وفي رواية فكرّ .
( 10 ) السواقط : جمع الساقطة ، اللئيم الناقص العقل .