تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
يقضي ولم يعلم والآخر من يعلم فيقضي بغير الحق وأما الذي في الجنة فهو الذي يعلم ويقضي بالحق ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : إن مع القاضي ملكين يسددانه ويوفقانه فإن عدل أرشداه وأعاناه وإن جار قذفاه في النار . وقيل : المذموم من القضاة من سعى في طلبه ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : لعبد الرحمن ابن سمرة : يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن سألتها وكلت إليها وإن سألتها أعنت عليها ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين ، وروي عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : شكت بقعة من الأرض إلى ربها أنها جعلت حشا فأوحى اللّه إليها أما ترضين أني لم أجعلك بقعة قاض . وكان ابن شبرمة يقول : يا جارية هاتي غذائي لأخرج إلى بلائي .

الممتنع من تولّي القضاء

أمر المنصور أبا حنيفة « 1 » رحمه اللّه أن يتولى القضاء فقال : لا أصلح لذلك فقال : إنك تصلح ، فقال : إن كنت صادقا فلا يجوز لك أن توليني وإن كنت كاذبا فقد فسقت فقال : واللّه لتلين . فقال : واللّه لا وليت فقال حاجبه : أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف فقال : أمير المؤمنين أقدر على الكفارة مني . قيل لما مات عبد الرحمن بن أذينة ذكر أبو قلابة للقضاء فهرب حتى أتى الشأم فوافق ذلك عزل قاضيها فهرب حتى أتى اليمامة فقيل له في ذلك فقال : ما وجدت مثلا للقاضي العالم إلا مثل رجل سابح وقع في بحر ، فكم عسى يسبح حتى يغرق .

الممدوح بترك الميل والعفّة والحلم

اختصم إلى زياد رجلان فقال أحدهما : إن هذا يدل بحرمة له عندك ، فقال : صدق وسأجزيه بما ينفعه من ذلك ، إن كان الحقّ له عليك آخذك به وإن كان الحقّ لك عليه أقضى عليه ، ثم أقضى عنه من مالي ، وولّى إسماعيل بن أحمد قاضيا عفيفا فكلفه يوما أن يقبل رجلا لم يكن عنده عدلا فامتنع عليه فقال له : ما أثقلك من بين القضاة ! فقال : اعزلني إن كنت ثقيلا ، فقال : قد عزلتك ، فتناول القاضي قلنسوته من على رأسه فجعلها في كمّه وخرج ، فندم إسماعيل على ذلك فرده وسأله أن يتولى فأبى عليه ولما استعفى شريح الحجاج من قضاء العراق قال : واللّه لا أعفيتك أو تدلّني على من إذا غضب على الخصوم رجح به حلمه عن الهجوم ، ومن إذا دعاه كثرة المال لم ينهضه إليه سوء الحال فقال : أدلّك على شريف عفيف يمنعه شرفه من التسلّط عليه وتحجبه عفته عن التملّق « 2 » قال : من هو ؟ قال : ابن أبي موسى الأشعري فأحضره وولاه ، قال الزهري : ثلاث إذا كن في القاضي فليس
هامش
( 1 ) أبو حنيفة : إمام المذهب الحنفيّ ، نعمان بن ثابت ( ت 150 ه / 767 م ) وهو أحد الأئمة الأربعة المجتهدين عند السنة ، وهو أوّل من فصّل الفقه إلى أبواب وأقسام ، وصاحب الاجتهاد في الفقه والفرائض بالقياس والرأي . ( 2 ) التملّق : التودّد والتذلّل .
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء — صفحة 243 | الراغب الأصفهاني / عمر فاروق طباع