اللغة والنّحو ، كان من الحصر « 1 » صورة مثيلة ، أو بهيمة مهملة . ومن لا يتتبع طرفا من الفضائل ، المخلّدة عن ألسنة الأوائل ، كان ناقص العقل .
فالعقل نوعان : مطبوع ومسموع ، ولا يصلح أحدهما إلا بالآخر . وقد تحرّيت فيما أخرجته من كلّ باب غاية الاختصار والاقتصار ، وأعفيته من الإكثار والإهذار « 2 » ، لئلا تعاف ممارسته ومدارسته ، لكن عظم هذا الكتاب بعض العظم ، لكثرة فصوله وتحقيق تفاصيله .
وقد جعلت ذلك حدودا وفصولا وأبوابا . وذكرت جملة الحدود والفصول في أوّل الكتاب ، ليسهل طلب كل معنى في مكانه . ووضعت كلّ نكتة في الباب الذي هو أليق بها ، وإن كان كثير من ذلك يصلح استعماله في أمكنة سهّل اللّه علينا ما يحمد عقباه « 3 » ، ووفّقنا في جميع أمورنا لما يرضاه ، وجعل خير أعمالنا ما قرب من آجالنا ، إنه عليم قدير . نعم المولى ونعم المصير .
الحدّ الأول : في العقل والعلم والجهل ، وما يتعلّق بها .
الأول : العقل والحمق وذمّ اتباع الهوى « 4 » .
الثاني : الحزم والعزم وما يضادّهما ، والظنّ والشكّ والتثبّت « 5 » ، والعجلة .
الثالث : المشاورة والاستبداد بالرأي .
الرابع : العلم والعلماء مدحا وذما ، والحفظ والنسيان .
الخامس : التعليم والتعلّم ، وما يتعلق بهما .
السادس : البلاغة « 6 » وما يضادّها .
السابع : النطق والسماع والمقال والسكوت .
الثامن : المذاكرة والمجادلة « 7 » .
التاسع : الشّعر والشّعراء .
هامش
( 1 ) الحصر : مصدر حصر ( فلان ) حصرا : أي عيي في النّطق وأصله من الحضر أي الضّيق .
( 2 ) الإهذار : الهذر من هذر وأهذر الرجل في كلامه أي خلط وتكلّم بما لا ينبغي ، والهذر سقط الكلام الذي لا يعبأ به .
( 3 ) العقبى : العاقبة .
( 4 ) الهوى ( هنا ) : إرادة النفس وميلانها إلى ما تستلذ ، وغلب استعمال الهوى في غير المحمود من الميول والجمع أهواء . يقال اتبع هواه أي زاغ عن الصواب أو صار من أهل البدع .
( 5 ) التثبّت : التحقّق من الأمور وهو نقيض التشكيك وعدم الجزم في الأمور .
( 6 ) البلاغة في الاصطلاح : البيان والتعبير عن مقتضى الحال .
( 7 ) المجادلة : المخاصمة أو المهارة في الخصومة .