وقد ضمّنت ذلك طرفا من الأبيات الرائقة ، والأخبار الشائقة ، وأوردت فيه ، ما إذا قيس بمعناه :
يكون منه مكان الروح من جسد * والبدر من فلك والنجم من قطب
فإنه ظرف « 1 » مليء طرفا « 2 » ، ووعاء حشي « 3 » جدا وسخفا ، من شاء وجد منه ناسكا « 4 » يعظه ويبكيه ، ومن شاء صادف منه فاتكا « 5 » يضحكه ويلهيه :
فالجدّ والهزل في توشيح لحمتها * والنبل والسّخف والأشجان والطرب
وأعوذ باللّه أن أكون ممّن مدح نفسه وزكّاها « 6 » ، فعابها بذلك وهجاها ، وممّن أزرى « 7 » بعقله ، لإعجابه بفعله ، فقد قيل لا يزال المرء في فسحة من عقله ، ما لم يقل شعرا أو يصنف كتابا .
وأولى من يصرف همّته إلى مراعاة مثل هذا الكتاب ، من تحلّى بطرف من الآداب ، فيصير به طليق اللسان ، ذليق البيان « 8 » ، فكم من أديب تتقاعد بداهة المقال « 9 » ، في كثير من الأحوال ، فلا يجد من فهمه مساعفة « 10 » ، ولا من علمه مكاتفة « 11 » ، فيرى في العيّ مثل بأقل « 12 » ، وإن كان في الغزارة سحبان وائل « 13 » .
وقد قيل : خير الفقه ما حاضرت به ، ومن لا يتحلّى في مجلس اللهو ، إلا بمعرفة
هامش
( 1 ) الظّرف ( هنا ) : الوعاء ، والظرف أيضا الكياسة ، والظّرف كل ما يستقرّ فيه مثل الحين واليوم وهما من ظروف الزمان ، وأمام ووراء وهما من ظروف المكان .
( 2 ) الطرف : جمع طرفة وهي الملحة والحديث المستحسن أو الجديد ، أي الطريف .
( 3 ) حشي : ملئ .
( 4 ) الناسك : العابد المتزهّد الذي صفّى نفسه للّه من دنس الآثام ، من نسك نسكا ونسكا ونسكا : تقشّف وتزهد وتعبّد .
( 5 ) الفاتك : الجريء الشجاع الذي يلحّ في الأمر أو الخبث .
( 6 ) زكّى ( النفس ) : مدحها وزكّاه اللّه طهّره .
( 7 ) أزرى بعقله : تهاون به ووضع من حقّه أو عابه .
( 8 ) ذليق البيان : الذليق الفصيح والبليغ ، يقال لسان ذلق أي طلق وذو حدّة ، والبيان : البلاغة والوضوح في الكلام .
( 9 ) البداهة في اللغة المفاجأة والبداهة أيضا عدم طول التفكّر والبديهي من الأمور ما يفهم ويدرك من دون رويّة .
( 10 ) المساعفة ( صيغة مفاعلة ) : مصدر ساعفه يساعفه مساعفة أي معاونة ومساعدة .
( 11 ) المكاتفة : المعاضدة والمعاونة .
( 12 ) بأقل : رجل ضرب به المثل في العيّ والعجز عن البيان . بخلاف سحبان وائل .
( 13 ) سحبان وائل : من خطباء العرب وفصحائهم يضرب به المثل في البيان والبلاغة . خطب في مجلس معاوية ساعات فقال له معاوية : أنت أخطب العرب ( انظر الهامش السابق ) .