يا بني إذا رضيك قوم لأنفسهم واليا ، ورأوك لذلك أهلا ، فصدّق ظنهم بك ، وألن لهم جانبك ، وأحسن إليهم جهدك ، وليس ذلك بأنجع لهم من صبرك على مسيئهم ، وتجاوزك عند قبيح فعلهم ، فاجعل من نفسك ما قد وصّيتك به .
وأحذرك من الإصغاء لمن يبدي لك النصيحة ، ولكن اسمع قوله وأظهر قبوله ، ولا تعطله ولا تعمل به حتى يتحقق لك منه ما لم يستبن عند إلقائه ، فإن أبانت لك البينة شيئا ، فما حمل نفسك بالتجاوز عنه ، وإن أبانت لك حسنا ، فأنت إذ ذاك المغتبط بأناتك ، والسالم من عجلتك .
ومما أوصيك به كثرة الاحتراس من الناس ، فإنهم مبتلون بافتقاد البرية ، يحصون على كل إنسان قوله وفعله ، فاجعل السّكات شعارك ، تسلم من ساع يسعى بعوراء كلامك .
إذا أردت فعلا فتثبت قبل فعلك ، حتى تدري أذلك أوفق أم الترك ، وليس كل الرجال يعرف ما يصلح له ، وإنما الذي يحيط بالمعرفة من قد جرب الأمور ، ودارت عليه دورات الزمان . وأنت يا بني غرير بالدنيا وما فيها ، شاور الناصح إذا عرفته ، وربما أفن « 1 » رأي الناصح المحق ، ولكنه يتقلد اللائمة في ذلك ، ولا تلوم أنت نفسك بعد مشاورتك .
إياك يا بني أن تعجل بعقوبة من أذنب حتى تعرف ما تفعل ، فإن المغتاظ يعزب عنه عقله ، ومن قدرت أن تضربه بسوطك فلا تضربه بسيفك ، ومن
هامش
( 1 ) من الأفن ، وهو النقص .