ودخل الإسكندرية في شعبان سنة اثنتين وستين . فتلقّاه قاضي مصر أبو الطاهر الذّهليّ والأعيان ، وطال حديثه معهم ، وأعلمهم أن قصده القصد المبارك من إقامة الجهاد والحقّ ، وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة ، وأن يعمل بما أمره به جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ووعظهم وطوّل حتى بكى بعضهم . ثم خلع على جماعة ، وسار فنزل بالجيزة . فأخذ جيشه في التّعدية إلى مصر « 1 » . ثم دخل القاهرة وقد بنيت له بها دور للإمرة ، ولم يدخل مصر .
وكانوا قد اختلفوا ، وزيّنوا مصر . فلما دخل القصر خرّ ساجدا وصلى ركعتين ، وكان عاقلا حازما أديبا جوادا ممدّحا ، فيه عدل وإنصاف . فمن ذلك قيل : إنّ زوجة الإخشيد لما زالت دولتهم أودعت عند يهوديّ بغلطاقا « 2 » كلّه جوهر ، فأنكر . فقالت : خذ كمّ البغلطاق ، فأبى ، فلم تزل حتى قالت :
هات الكمّ وخذ الجميع ، فلم يفعل . وكان فيه بعض عشرة درّة ، فأتت قصر المعزّ فأخبرته بأمرها ، فأحضره وقرّره ، فلم يقرّ . فبعث إلى داره ، فأخرب حيطانها ، فظهرت جرّة فيها البغلطاق . فلما رآه المعزّ تحيّر من حسنه ، / ووجد اليهوديّ قد أخذ من صدره درّتين . واعترف أنه باعهما بألف وستّ مئة دينار . فسلّمه بكماله إليها . فاجتهدت أن يأخذه هدية أو بثمن فأبى . فقالت :
يا مولانا هذا كان يصلح لي وأنا صاحبة مصر ، وأما اليوم فلا . ثم أخذته وانصرفت .
وأخبره المنجمون أنّ عليه قطعا ، وأشاروا عليه أن يتخذ سردابا ويتوارى فيه سنة ففعل . فلما طالت غيبته ظنّ جنده المغاربة أنه قد رفع . فكان الفارس منهم إذا رأى الغمام ترجّل وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين . ثم خرج بعد
هامش
( 1 ) أي في عبور نهر النيل .
( 2 ) الكلمة فارسية أصلها « بغلتاق » وهي الدرع التي يرتديها الفارس أصلا ، ثم غدت نوعا من الثياب الخارجية ( كالمعطف القصير ) .