فقال عليّ : فزت ورب الكعبة ، شأنكم بالرجل ، فحمل ابن ملجم على الناس بسيفه ، فأفرجوا له . وتلفح المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بقطيفة فرمى بها عليه واحتمله فضرب به الأرض . وأما شبيب فأفلت ، ومكث عليّ رضي اللّه عنه يومين ومات في آخر اليوم الثالث رحمه اللّه ، وكان عليّ رضي اللّه عنه يؤتى إليه بابن ملجم فيقال له : قد سمعنا من هذا فيك مقالة فاقتله ، فيقول : ما قتلني بعد ، ويقول مرة أخرى :
كيف أقتل قاتلي . فلما ضربه قال عليّ : إن أعش فالأمر إليّ ، وإن أصب فالأمر لكم ، وإن آثرتم أن تقتصوا فضربة بضربة ، وأن تعفوا أقرب للتقوى . وقال عبد اللّه بن جعفر للحسن : ادفعه إليّ أشفي نفسي منه ، فدفعه إليه فقتله . وكان عليّ رضي اللّه عنه إذا رأى ابن ملجم يقول :
أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد
وكان يقول :
أشدد حيازيمك للموت * فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت * إذا حل بواديكا
وقد تقدّم هذا .
وأما الحجاج فضرب معاوية فأصاب صلبه فقطع منه عرق النكاح ، فلم يولد لمعاوية بعد ذلك ، فقطع يديه ورجليه ، فأقام بالبصرة ، فبلغ زيادا أنه قد ولد له ، فقال :
أيولد له وأمير المؤمنين لا يولد له ؟ فقتله ، واتخذ معاوية المقصورة . وأما زادويه فقتل خارجة على أنه عمرو كما تقدّم .
رجع الخبر وإن طال إلى ذكر الأبطال . قلت : هؤلاء هم الرجال في الحقيقة لفظا ومعنى ، وبمثل هذه الطريقة ينبغي أن يعنى . ويتلو هذه العصابة في الفضل أولو الكرم والبذل ، كما قال أوس بن حجر :
مطاعين في الهيجا مطاعيم في القرى * إذا اصفر آفاق السماء من القرس
القرس : البرد الشديد . وفوق هؤلاء كلهم العلماء والحكماء النبلاء مصابيح الدين وقدوة المهتدين . كما قال بعض العلماء : الناس ثلاثة أصناف : أهل العلم ، وأهل السخاء ، وأهل الحرب . ولي في هذا المعنى :
الناس هم ثلاثة * فواحد ذو درقه
وذو علوم دارس * صحيفة وورقه
ومنفق في واجب * ذهبه وورقه
ومن سواهم همج * لا ودك لا مرقه