وهو القادر ، ولكن للّه تعالى سر في عباده وهو القدر الذي لا يحل إفشاؤه ولا الاستكشاف عنه .
قال رجل لهشام بن الحكم وكان صاحب مذهب : أترى اللّه في فضله وكرمه وعدله كلفنا ما لا نطيق ثم يعذبنا عليه . قال هشام : قد واللّه فعل ، ولكنا لا نستطيع أن نتكلم .
قلت : إنما ترك التكلم في هذا لأنه من القدر الذي هو سر اللّه كما تقدم . إن كان سنيا أو قال ذلك لستر مذهبه . لأن أبا عبيد البكري ذكر أنه كان من الحشوية المشبهة ، وله أصحاب يروون أحاديث في التشبيه كثيرة ، وكلها والحمد للّه مستحيلة ، وحجتهم أنهم يقولون لا يقوم في المعقول إلا جسم أو عرض . فلما بطل وقوع الفعل من العرض صح من الجسم . فقيل لهم : هذا أفسد قياس لأنه لا يقوم في المعقول جسم إلا مركب مؤلف ، فإن قالوا ذلك فقد أقروا أن الباري سبحانه وتعالى مخلوق . تعالى اللّه عن قولهم ، فإنما يؤخذ من قول مثل هذا ما وافق الحق وما يردّ به على من هو أخبث مذهبا منه . واللّه ولي التوفيق برحمته .
وقد اختلف العلماء رضي اللّه عنهم في تكليف ما لا يطاق ، فمنهم من أجازه ، واحتج بقوله تعالى :
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
[ البقرة : 286 ] قالوا :
فلو لا أنه ممكن لما سأل اللّه أن لا يفعله ، وقالت طائفة : لا يجوز هذا ، وإنما يعني به الوسوسة التي لا يقدر الإنسان على دفعها عن نفسه ، فيكون معنى لا تحملنا ما لا طاقة لنا به منها ، أي : لا تؤاخذنا به . وفي الحديث : قال اللّه تعالى : قد فعلت .
وقالت طائفة : إنما هو مثل أن يقول اللّه تعالى للعبد : صلّ وصم ، ويقول للصلاة
والصوم : لا تأتيانه ، فلم تأته واحدة منهما ، فلم يصلّ ولم يصم فاستحق العقاب .
وهذا موضع السر ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا . وسيأتي الكلام على هذه المسألة في باب الزاي عند قوله تعالى :
تَؤُزُّهُمْ أَزًّا
[ مريم : 83 ] . فانظرها ثم إن شاء اللّه تعالى .
وقد تقدم :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء : 23 ] . والكل ملكه وخلقه يفعل ما يشاء
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] . قال إياس بن معاوية رضي اللّه عنه : ما كلمت أحدا بعقلي كله إلا أصحاب القدر ، قلت لهم : ما الظلم في كلام العرب ؟ قالوا : هو أن يأخذ الرجل ما ليس له . قلت : فإن اللّه له كل شيء .
قلت : والعجب ممن يطلب أن يطلع على سر اللّه في قدره ، هلا طلب السر الذي