قد جعل اللّه في بعض الأشياء حتى يستخرجه ، ألا ترى أن المغناطيس يجذب الحديد دون غيره ، ليت شعري لأي شيء اختص بهذا ؟ نعم ، وثم حجر آخر يجذب الأظفار وآخر يجذب اللحم على ما ذكره ابن السيد ، قال : وثم نبات يلقى في النار فلا يحترق .
صدق اللّه العظيم حيث يقول في الإنسان :
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
[ الأحزاب :
72 ] .
فصل : [ الواجب على العبد أن يستسلم لقضاء مولاه ويحسن الأدب معه ، فمتى رأى . . . ]
الواجب على العبد أن يستسلم لقضاء مولاه ويحسن الأدب معه ، فمتى رأى خيرا فليحمد اللّه ، ومتى رأى غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه ، ولينزه مولاه عن الظلم ، ولا يقس غائبا بشاهد ، فليس إلا ربّ واحد . كيف وقد نهى ذو العظمة والجلال أن تضرب له الأمثال . فقال سبحانه وتعالى :
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
[ النحل : 74 ] . إن الإنسان لجريء أن ينسب إلى مولاه الظلم وهو منه بريء ، وهل يصح الظلم إلا منّا ؟ نحن مملوكون فإن وضعنا شيئا في غير موضعه فقد ظلمنا .
وهو تعالى مالك الخلق كله ملكه ، فمهما فعل شيئا فقد وضعه موضعه كما تقدم .
ثم ليعتقد بقلبه ما يلفظ به لسانه ، إذ يقرأ : إن اللّه حكيم عليم . ومن كانت هذه صفته فلا معقب لحكمه . وما أقبح بعبد الرجل منا أن يسأل سيده عن حاله وسره وهو عبد مثله في الحقيقة . فكيف بالمالك ذو القوّة المتين الملك الحق المبين ، ثم بماذا يستفهم إن قال : أين ؟ فسؤال عن المكان ، وإن قال : متى ؟ فسؤال عن الزمان ، وأين كان اللّه تعالى قبل أن يخلق الزمان والمكان ؟ وإن قال : كيف ؟ فسؤال عن تشكيل وهيئة ، وإن قال : لم ؟ فسؤال عن علة ، وإن قال : من ؟ فسؤال عن جنس ، وإن قال : كم ؟ فسؤال عن عدد . وهذه الاستفهامات كلها لا تصح في حق القديم سبحانه لقيام الحدث معك عند نفس السؤال . فإن ابتليت بسائل فقال لك : لم كان كذا ؟ فتوقف . فإن علمك اللّه حكمة فاذكرها ، واحمد اللّه وقل إثر ذلك : واللّه أعلم . وإن كنت لا تدري فقل : لا أدري . وربما يعلمه غيري ، أو يكون مما استأثره اللّه بعلمه ، وانسب العجز والجهل والعيب لنفسك ، وتأدب في ذلك بآداب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
ألم تسمع إلى قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
[ الشعراء :
78 - 80 ] ، فأضاف المرض الذي هو عيب إلى نفسه وأضاف الخلق والهداية والإطعام والشفاء الذي كله شرف وفضل إلى مولاه المتعالي ، وقد علم أن كلّا من عنده لا إله