وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا : هذا التشبيه . وقد ذكر اللّه عز وجل في غير موضع من كتابه : اليد والسمع والبصر . فتأوّلت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم . وقالوا : إن اللّه لم يخلق آدم بيده ، وقالوا إنما معنى اليد هاهنا القوة .
وقال إسحاق بن راهويه : إنما يكون التشبيه إذا كان يد كيد أو مثل يد ، أو سمع كسمع أو مثل سمع ، فهذا التشبيه .
وأما إذا قال كما قال اللّه عز وجل يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع ، فهذا لا يكون تشبيها . وهو كما قال اللّه تعالى في كتابه :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] ، ومثل ما تقدم قوله عليه الصلاة والسلام : إن اللّه جميل يحب الجمال . قال المازري : أطلق في هذا الحديث تسمية الباري جميلا ويحتمل أن يكون سماه بذلك لانتفاء النقص عنه ، لأن الجميل منا من حسنت صورته ، ومضمون حسن الصورة انتفاء النقائص والشين عنها ، ويحتمل أن يكون جميلا بمعنى مجمل ، أي : محسن ، كما أن كريما بمعنى مكرم ، واللّه أعلم .
وقد تقدم أن اللّه لا يمل . وهذا النوع كثير ، فقس ما يرد عليك بما ورد ، ونزه ربك عما لا يليق به أيها الولد ولا تستشنع اللفظ الذي جاء في حديث لقيط المتقدم . فيصبح ربك يطوف في الأرض وقد خلت عليه البلاد ، واحمله على ما تقدم من قوله :
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
[ الفجر : 22 ] وقوله :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ
[ البقرة : 210 ] .
وقد جاء في تفسير قوله تعالى :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
يسأل الخلائق فلا يجيبه أحد ، فيرد على نفسه فيقول :
لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ غافر : 16 ] وهذا بين النفختين حين لا يبقى أحد غيره . مصداقه :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[ الرحمن : 26 - 27 ] .
وأختم لك هذا الفصل الذي هو نعم الأصل بحديث من نوع ما تقدّم ، فيه ذكر الرجل ، والقدم ، وهو حديث كبير ، وهو لغة وعلم كثير ، شرحه بعضهم وفسره ، وكره بعضهم أن يفسره بغير ألفاظه وأنكره . والحديث : لا تزال النار يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العالمين فيها قدمه فتقول : قطّ قط . ويروي : رب العزة . ويروي :
قطني قطني .