تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
إلا هو ، له الخلق والأمر . وكما قال المصطفى صلى اللّه عليه وسلم : بيدك الخير . ومعلوم أن الخير والشر بيده ، وقوله في الحديث الآخر : لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك . معناه والشر ليس مضافا إليك ، على جهة الأدب ، وكذلك فعل الخضر عليه السلام حيث يقول اللّه تعالى حكاية عنه عند ذكر الخير :
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً
[ الكهف : 81 ] وقال في مثله :
فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
[ الكهف : 82 ] ولما انتهى إلى ذكر العيب قال :
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها
[ الكهف : 79 ] ، نسبه إلى نفسه ونزه مولاه عن أن يضيفه إليه ، وكل من عنده سبحانه . ولكن فعل ذلك أدبا منه صلى اللّه عليه وعلى جميع الأنبياء والأولياء وسلم . فسبحان ربك ما كان أعلمهم بما استعملهم لما علمهم . ونوع من هذا ذكر أبو طالب في قوت القلوب قال : قال أبو محمد سهل رحمه اللّه : إذا عمل العبد حسنة فقال : يا ربّ أنت استعملتني ، شكر اللّه له ذلك ، فقال : أنت عملت ، وإذا نظر إلى نفسه فقال : أنا عملت ، يقول اللّه تعالى : بل أنا استعملتك . وإذا عمل سيئة فقال : أنت قدرت ، وأنت أردت ، يقول اللّه تعالى : أنت ظلمت وأنت عصيت بشهوتك وهواك ، وإذا قال العبد : ظلمت نفسي وعصيت بجهلي ، استحيا اللّه تعالى منه ، فقال : بل أنا قدرت وأنا قضيت قد غفرت لك باعترافك بالظلم على نفسك . هكذا أدب العاملين مع ربّ العالمين ، ويعتقدون مع ذلك أن الكل من عند اللّه تبارك وتعالى . وأن الخير والشر والنفع والضر من اللّه تعالى وحده لا شريك له . كما قال تعالى :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ النساء : 78 ] وهذا هو المحكم الذي ليس فيه تبديل ولا تأويل . ثم قال تعالى حكاية عن المنافقين :
فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ( 78 ) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
[ النساء : 78 - 79 ] كذا أوله بعض العلماء رضي اللّه عنهم . وقد روي عن أبي صالح أنه قال : فمن نفسك وأنا قدّرتها عليك . وروى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كنت جالسا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحدثنا ، إذ أقبل أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما في قتام من الناس ، وقد ارتفعت أصواتهم ، فكف رسول للّه صلى اللّه عليه وسلم واستمع ، فلما دنوا جاء أبو بكر فسلم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم جلس إلى جنبه ، ثم جاء عمر فسلم ثم جلس منتبذا منه . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما هذا الذي ارتفعت فيه أصواتكم يا أبا بكر ؟ فقال
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة ) — صفحة 55 | يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ ) / خالد عبد الغني محفوظ