كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض ، وطرف في المشرق وطرف في المغرب ، ثم عادت كأنها شجرة ، على كل ورقة منها نور ، وإذا أهل الشرق والغرب يتعلقون بها ، فقصها ، فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ، ويحمده أهل السماء والأرض ، فلذلك سماه محمدا ، مع ما بشرت به أمه حين قال لها الملك : إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ، فإذا وضعتيه فسميه محمدا ، الحديث . وولدته ليلة الاثنين في ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة خلت منه ، وقيل : للعاشر ، وقيل : لثمان قبل قدوم الفيل بخمسين يوما ، وقيل : بأربعين ، وقيل :
بشهر ، ونبئ يوم الاثنين في ربيع الأول لثمان مضين منه سنة إحدى وأربعين من عام الفيل ، ودخل المدينة في ربيع الأول يوم الاثنين الثاني منه ، وتوفي يوم الاثنين أول يوم من ربيع الأوّل ، ووافق مولده من السنين الشمسية نيسان الذي سمته العجم إبريل ، وولد بالغفر من المنازل وهو مولد النبيين ، ولذلك قيل : خير منزلتين في الأبد بين الزبانا والأسد ، ومات أبوه وهو حمل في بطن أمه ، وهو الصحيح ، وقيل : مات أبوه وهو في المهد ابن سبعة أشهر ، وقيل : ابن شهرين ، وقيل غير ذلك ، وأنشدوا رجزا لعبد المطلب يقول لابنه أبي طالب :
أوصيك يا عبد مناف بعدي * بمؤتم بعد أبيه فرد
فارقه وهو ضجيع المهد
وكان بينه وبين أبيه عبد اللّه في السن ثمانية عشر عاما ، وكانت عاتكة بنت عبد المطلب توأمة عبد اللّه أبيه ، وماتت آمنة بالأبواء ؛ موضع بين مكة والمدينة . وقد تقدّم ذكر ذلك ، ولم يستكمل له سبع سنين ، وكان عند جدّه عبد المطلب إلى أن مات ، ولرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثمان سنين ، ثم كفله عمه أبو طالب كما وصاه أبوه ، ولما ولد دخل به عبد المطلب الكعبة يعوذه ويقول :
الحمد للّه الذي أعطاني * هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان * أعيذه بالبيت ذي الأركان
من حاسد مضطرب العنان * حتى أراه بالغ البيان
أنت الذي سميت في القرآن * في كتب ثابتة المثاني
أحمد مكتوب على اللسان
نقلت أكثر هذا من كتاب الأستاذ رحمه اللّه .
قلت : وما عسى أن أذكر ، وقد ألّف القاضي أبو الفضل عياض رحمه اللّه في أخباره وفضائله ديوانا في مجلدين ، وذاك قليل في حقه عليه الصلاة والسلام .