فصل : [ وهذا الكتاب ألفته كما ذكرت لولدي أو لمن يكون كمثله من مبتدي ، . . . ]
وهذا الكتاب ألفته كما ذكرت لولدي أو لمن يكون كمثله من مبتدي ، فربما جمعت فيه من الكلام بين الغث والسمين والرخيص والثمين ، والجدّ والهزل والضعيف والجزل ، كما تقدم فيه القول من قبل وجلبت ما حضر من يابس وأخضر ، وعقول الناس مدوّنة في أطراف أقلامهم ، بها يستدل على معرفتهم وأفهامهم ، وبتآليفهم وأوضاعهم يعرف الطول والقصر في باعهم ، ويدرى اختلاف طباعهم ، فمنهم من كلامه مقفر موعر مقعد مبعد ، ومنهم من كلامه سهل هين سلس لين ، تستطيبه إذا تذوّقته وتستحليه متى رمقته ، وربما تستعيده ونيتك تستفيده ، وليس ذلك في النثر المخزون بل هو كذلك في الشعر الموزون ، فمن السهل الممتنع القريب المرتفع الذي تطمع فيه وتظنّ أنه منك يقرب فإذا هو عنك يهرب ، ما أنشدني بعض الأدباء ونحن في نيل مصر على ظهر الماء يصف واليا كان اسمه سليمان وله أخ اسمه علي :
قال لي يوما سليما * ن وبعض القول أشنع
هات صفني وعليا * أينا أسخى وأرفع
قلت إني إن أقل بي * نكما بالحق تجزع
قال كلا قلت بل لا * قال عجل قلت فاسمع
قال صفه قلت يعطي * قال صفني قلت تمنع
أين هذا من قول الآخر :
فما للنوى جد النوى قطع النوى * كذاك النوى قطاعة لوصال
ولما أنشده الأصمعي رحمه اللّه قال : وددت أن اللّه تعالى سلط على هذا البيت شاة فأكلت هذا النوى كله . ومثله في الفتور ما قاله بعض منتحلي الشعر في زياد بن عمرو :
زياد بن عمرو عينه كزجاجة * وأسنانه بيض وقد طرّ شاربه
ومثله :
ذكر الحبيب حبيبه * فبكى بكاء صالحا
وجرى الدموع بشاربيه * فذاق طعما مالحا
فصل : [ وأنت تعرف بالذوق الأسفل والفوق كم بين هذا الذي تقدّم وبين ما عليك . . . ]
وأنت تعرف بالذوق الأسفل والفوق كم بين هذا الذي تقدّم وبين ما عليك يقدم .
قال بعض العلماء : أربعة ما عرفوا ما خرج من أفواههم وهو أحسن ما قالت