وكان الأحنف يقول : ما نازعني أحد قط إلا أخذت عليه في أمري بإحدى ثلاث خصال : إن كان فوقي عرفت قدره ، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه ، وإن كان مثلي تفضلت عليه .
وقيل للأحنف : من أحلم أنت أو معاوية ؟ فقال : معاوية قدر فحلم ، وأنا أحلم ولا أقدر فكيف أقاس به .
وجعل لرجل ألف درهم على أن يسفه الأحنف ، فنال منه والأحنف عنه معرض ، فلما رآه لا يردّ عليه أقبل يعض أنامله ويقول : واسوأتاه ، واللّه ما يمنعه من جوابي إلا هواني عليه ، وفي مثل هذا أنشدوا :
أسمعني عبد بني مسمع * فصنت عنه النفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقاري له * ومن يعض الكلب إن عضا
ولي في هذا المعنى ؛ وسمعت رجلا ينشد :
إذا نطق السفيه فلا تجبه * ودعه فالسكوت له جواب
أيجمل باللبيب يعض كلبا * إذا ما عضه ماذا صواب
وقالوا في هذا المعنى : لا تعاقب شاتمك فما يعاقب الأحمق بمثل السكوت ، وأنشدوا :
وما شيء أحب إلى سفيه * إذا سب الكريم من الجواب
متاركة السفيه بلا جواب * أشدّ على السفيه من السباب
وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : أوّل ما يرى الحليم من بركة حلمه أن الناس كلهم أعوانه على الجاهل .
وقال أبو سليمان الداراني : أحضر الناس جوابا من لا يغضب .
وشتم بعض السفهاء المهلب فلم يلتفت إليه ، فظن أنه لم يسمعه ، فقال : إياك أعني ، فقال له المهلب : وعنك أعرض . وينشد في مثل هذا :
ولقد أمرّ على اللئيم يسبني * فأجوز ثم أقول لا يعنيني
ووقع بين أبي مسلم وبين بعض أصحابه كلام فأغلظ له فيه ، فأطرق أبو مسلم ، فلما سكنت ثورة الغضب عن الرجل ندم وعلم أنه قد أخطأ ، فقال له : أيها الأمير واللّه ما انبسطت حتى بسطتني ، ولا نطقت حتى استنطقتني ، فاغفر لي ، قال : قد فعلت ، قال :
إني أحب أن استوثق لنفسي ، فقال أبو مسلم : سبحان اللّه كنت تسيء فأحسن ، فحين أحسنت أسيء . وما أحسن قول الشاعر :
فلم ير مني ضعفة متشدّد * ولم ير مني شدة متليّن