فجد لي يا ابن ناقصة بشيء * فإني قد عزمت على المسير
فقال معن لخادمه : يا غلام ادفع إليه ألف دينار ، فقال له الأعرابي :
قليل ما مننت به فإني * لأطمع منك في الشيء الكثير
فقال معن : يا غلام ادفع له ألفا أخرى ، فقال :
فثلث إذ ملكت الملك رزقا * بلا عقل ولا جاه خطير
فأمر له بألف ، فكأنّ الأعرابي استحيا فقال :
فأنت المرء ليس له كفاء * ومن جدواه كالبحر الكبير
قال معن : قد أعطيناه على هجونا ثلاثة آلاف ، فأعطه على مدحنا ثلاثة آلاف ، فأخذ الأعرابي ستة آلاف وانصرف .
تقدّم ذكر عمرو مزيقيا وهو الذي خرج من اليمن بسيل العرم ، ومزيقيا لقب له ، وكان أبوه عامر بن حارثة الأزدي ، من الأجواد أيضا ، وكان يلقب ماء السماء ، لأنه كان إذا أجدب قومه مانهم حتى يأتيهم الغيث ، فقالوا : ماء السماء ، لأنه خلف منه ، وقيل لولده : بنو ماء السماء . وقد قال بعض الأنصار في شعر له يفخر بذلك :
انا ابن مزيقيا عمرو وجدي * أبوه عامر ماء السماء
وجاء في الحديث في شأن هاجر : فتلكم أمكم يا بني ماء السماء . وقالوا : أفخر بيت قالته العرب قول الأحوص :
ما من مصيبة نكبة أرمي بها * إلا تشرفني وترفع شاني
وإذا سألت عن الكرام فإنني * كالشمس لا تخفى بكل مكان
وقال غيره :
وقد شاع ذكري في البلاد فمن لهم * بإخفاء شمس ضوءها متكامل
ومن الأجواد غير من ذكر : الجنيد الذي يقول فيه أبو جويرية :
ذهب الجود والجنيد جميعا * فعلى الجود والجنيد السلام
أصبحا ثاويين في بطن قبر * ما تغنى على الغصون الحمام
وقد احتجت أنا إلى هذا المعنى في حديث جرى ، فقلت في قصيد مطوّل :
صدق الشاعر المجيد الذي قا * ل يبكي خليله وصفيه
ذهب الجود والجنيد جميعا * فعلى الجود والجنيد التحيه
والشعر بكماله والحكاية بكمالها مذكورة في التكميل . والشيء يعرف بضدّه ، وقال أبو علي البصير :
لعمر أبيك ما نسب المعلى * إلى كرم وفي الدنيا كريم