وخرج الواقدي أن عبد اللّه بن عوف الأشج قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، فلما رآه نظر إلى رجل دميم فقال عبد اللّه : يا رسول اللّه إنه لا يستقي في مسوك الرجال إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه قلبه ولسانه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فيك خصلتان يحبهما اللّه . وفي رواية : ورسوله ، الأناة والحلم . فقال : يا رسول اللّه أشيء حدث أم جبلت عليه ؟ فقال : لا بل شيء جبلت عليه . وفي رواية أنه قال : الحمد للّه الذي جبلني على خلقين يحبهما اللّه ورسوله .
والحكاية المشهورة عن كثير إذ دخل على عبد الملك بن مروان فقال لما رآه :
أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، فقال : يا أمير المؤمنين كل عنده محله رحب الفنا شامخ البنا عالي السنا ، ثم أنشده :
ترى الرجل النحيف فتزدريه * وفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الطرير إذا تراه * فيخلف ظنك الرجل الطرير
في أبيات آخرها :
فما عظم الرجال لهم بزين * ولكن زينهم كرم وخير
ذكر ذلك أبو علي في الأمالي ، وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في الأمثال أن قائل ذلك المثل المنذر بن ماء السماء قاله لشقة بن ضمرة ، فقال له شقة : إن الرجال ليسوا بجزر يراد منها الأجسام ، إنما المرء بأصغريه فلبه ولسانه . وقال البكري في شرح الأمثال : إنما قال له إن الرجال لا تكال بالقفزان وليست بمسوك يستقى بها الماء ، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، إن قال قال ببيان وإن صال صال بجنان ، فأعجب المنذر ما سمع منه .
ودخل بعض العلماء على الرشيد وكان دميم الصورة قصير القامة ، فاستحقره الرشيد وقال : ما أقبح هذا الوجه ، فقال العالم : يا أمير المؤمنين إن حسن الوجه ليس مما يتوسل به عند الملوك ، هذا يوسف عليه السلام أحسن الناس وجها
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
[ يوسف : 55 ] ولم يقل : إني حسن الوجه جميل . قال : صدقت ارتفع ، فرفع قدره وقرب مجلسه .
ملح وآداب
فصل : [ وأما الملح والآداب فقد حدثني السلفي رحمه اللّه . . . ]
وأما الملح والآداب فقد حدثني السلفي رحمه اللّه فيما يرويه عن أشياخه أنهم كانوا يقولون : لقاطات الأدب كقراضات الذهب . قلت : وما رأيت أحدا ممن لقيته من