رمينا فرامينا فصادف سهمنا * منيّة نفس في كتاب وفي قدر
وأنت أمير المؤمنين فما لنا * وراءك من معدى ولا عنك من قصر
فإن تك في أموالنا لا نضق بها * دراعا وإن صبر فنصبر للصبر
فقال له معاوية : أراك قد أقررت يا هدبة ؟ قال : هو ذاك ، فقال له عبد الرحمن : أقدني « 1 » ، فكره ذاك معاوية ، وضنّ بهدبة عن القتل ، وكان ابن زيادة صغيرا ، فقال له معاوية : أو ما عليك أن تشفي صدرك وتحرم غيرك . ثم وجّه به إلى المدينة ، فقال : يحبس إلى أن يبلغ ابن زيادة ، فبلغ . وكان والي المدينة سعيد بن العاصي ، فممّا وقف عليه من قسوته قوله :
ولما دخلت السجن يا أمّ مالك * ذكرتك والأطراف في حلق سمر
وعند سعيد غير أن لم أبح به * ذكرتك ان الأمر يذكر بالأمر
فسئل عن هذا القول ، فقال : لما رأيت ثغر سعيد ، وكان سعيد حسن الثغر جدّا ذكرت به صغرها ، ويقال : إنه عرض على ابن زيادة عشر ديات ، فأبى إلا القود ، وكان ممن عرض الديات عليه ممن ذكر لنا الحسين بن عليّ ، وعبد اللّه بن جعفر عليهما السلام ، وسعيد بن العاصي ، ومروان بن الحكم ، وسائر القوم من الأنصار . فلما خرج به ليقاد بالحرّة ، جعل ينشد الأشعار ، فقالت له حبّي المدينيّة : ما رأيت أقسى قلبا منك ، أتنشد الأشعار وأنت يمضي بك لتقتل ، وهذه خلفك كأنها ظبي عطشان تولول « 2 » . تعني امرأته ، فوقف ووقف الناس معه ، فأقبل على حبّي ، فقال :
أما وجدت وجدي بها أمّ واحد * ولا وجد حبّي بابن أمّ كلاب
رأته طويل الساعدين شمردلا « 3 » * كما انبعثت من قوة وشباب
فأغلقت حبّي الباب في وجهه ، وسبّته ، وعرض له عبد الرحمن بن
هامش
( 1 ) أقدني : اقتص لأخي من هدبة .
( 2 ) الولولة : صوت متتابع بالعويل والاستغاثة أو هي حكاية صوت النائمة .
( 3 ) الشمردل الفتى الحسن الخلق .