أصدرناها إلى المقرّ وقد حمّلناها سلاما يجمع له « 1 » بين الرضى والتسليم ، وطيب ثناء لم يتضوّع عندنا لغيره ولكن سمحنا ببعضه للنسيم .
وتبدي لكريم علمه ورود البشرى في كتابه الكريم الذي لم يحتج صدق لسان قلمه إلى برهان . ورأينا برق طروسه غير خلّب فقلنا لمن شكّ في صحته :
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
« 2 » ، وكيف لا وصحيح حديث المقرّ ما برح مسلسلا مع الرواة ، وقد تحققنا أن تلك النفس الخبيثة ماتت عند سوق أرغون شاه ، فلا رحم اللّه هاتيك الروح التي طغى عليها طوفان الانتقام ولا عاصم ، وكاد « 3 » سرور سيوفنا لا يفي بندامتها على تركه في عمره المتقادم . ولما كفر هو وشياطينه نعمنا القديمة وما شكروا ، سأل رجوعنا عن المقرّ السليماني فقلنا :
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا
« 4 » . ولما ثبت كفرهم وضلّوا عن الهدى في ظلمات الضلال ، أعددنا لهم سيوفا ما برحت على بعد المدى متّصلة بقطع الآجال ،
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ
« 5 » ، وقصم هو وفريقه قصما ما خفي عن المقرّ أن سيف الانتقام له مشهور ، وتلا لهم لسان الحال :
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
« 6 » ، وكم اعتذر عن كفر قومه وسأل الهدى مع زيادة طغيانهم . وقلنا لهم :
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ
« 7 » ،
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
« 8 » . وأشرنا بزواجر هذه الآية الشريفة إليهم ، وتحتّم علينا قوله تعالى :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ
« 9 » . وأردنا نعلمه في هذه المدّة أن لسان السيف إذا كلّم كان أصدق من الكتب في الإنباء ، فعاجلته يد المنية وسحبته في سجن الهاوية سحبا . وظهر السرّ السليماني في هذا المارد وشياطينه ، وجلس
هامش
( 1 ) له : تو ، ها : لنا .
( 2 ) سورة النمل 27 / 30 .
( 3 ) كاد : تو ، ها : كان .
( 4 ) سورة البقرة 2 / 102 .
( 5 ) سورة الأحزاب 33 / 25 .
( 6 ) سورة سبأ 34 / 17 .
( 7 ) سورة آل عمران 3 / 86 .
( 8 ) سورة البقرة 2 / 8 .
( 9 ) سورة التوبة 9 / 14 .