- وكانوا قديما أصحاب خيام ، ينتقلون من موضع إلى آخر ؛ فلذلك أول ما تبدأ أشعارهم بذكر الديار ، فتلك ديارهم ، وليست كأبنية الحاضرة ، فلا معنى لذكر الحضرىّ الديار إلا مجازا ؛ لأن الحاضرة لا تنسفها الرياح ، ولا « 1 » يمحوها المطر ، إلا أن يكون ذلك بعد زمان طويل لا يمكن أن يعيشه أحد من هذا « 2 » الجيل .
- وأحسن ما استعمله المولّد المحدث « 3 » ما ناسب قول علي بن العباس الرومي « 4 » : [ الطويل ]
سقى اللّه قصرا بالرّصافة شاقنى * بأعلاه قصرىّ الدّلال رصافى
أشار بقضبان من الدّرّ قمّعت * يواقيت حمرا فاستباح عفافى « 5 »
- وكانت دوابّهم الإبل ؛ لكثرتها ، وعدم غيرها ، ولصبرها على التعب ، وقلّة الماء والعلف ، فلهذا أيضا خصوها بالذّكر دون غيرها ، ولم يكن أحد منهم « 6 » يرضى بالكذب فيصف ما ليس عنده / كما يفعل المحدثون ؛ ألا ترى « 7 » امرأ القيس لما كان ملكا كيف ذكر خيل البريد والفرانق « 8 » ، على أنه لم يستغن عن ذكر الإبل للعادة التي جرت على ألسنتهم ، فقال يصف رحيله إلى قيصر ملك الروم « 9 » :
هامش
( 1 ) سقطت « لا » من ص .
( 2 ) في ف والمطبوعتين : « من أهل الجيل » وما في ص يوافق المغربيتين .
( 3 ) في ف : « المولدون والمحدثون . . . قول ابن الرومي » .
( 4 ) ديوان ابن الرومي 4 / 1627 وسيأتي البيتان في باب التشبيه ص 491
( 5 ) في ص : « من الدر جمعت » ، وفي الديوان : « . . . تستبيح عفافى » .
وقمعت : من قولنا : قمعت المرأة بنانها بالحناء : أي خضبت به أطرافها فصار لها كالأقماع ، انظر اللسان في [ قمع ] .
( 6 ) في ف والمطبوعتين والمغربيتين : « أحدهم » .
( 7 ) في المطبوعتين : « ألا ترى أن امرأ القيس » ، وما في ص وف يوافق المغربيتين .
( 8 ) في ف والمطبوعتين فقط زيادة « يعنى البريد » قال ابن دريد في جمهرة اللغة 2 / 1208 :
« وفرانق : فارسي معرّب ، وهو سبع يصيح بين يدي الأسد ، كأنه ينذر الناس به ، ويقال : إنه شبيه بابن آوى ، يقال له : فرانق الأسد . قال أبو حاتم : يقال : إنه الوعوع . ومنه فرانق البريد » ، وانظر اللسان أيضا .
( 9 ) ديوان امرئ القيس 66 و 67 ، مع اختلاف في الترتيب .