وزعم قوم أن أبا نواس قصد التشاؤم لهم لشيء كان في نفسه من جعفر « 1 » ، ولا أظن ذلك صحيحا ؛ لأن هذه القصيدة من جيد شعره الذي لا أشك أنه تحفّل « 2 » له ، اللهم إلا أن يصنع ذلك حيلة منه ، وسترا على ما قصد إليه بذلك .
- وللشعراء مذاهب في افتتاح القصائد بالنسيب ؛ لما فيه من عطف القلوب ، واستدعاء القبول ، بحسب ما في الطباع من حب الغزل ، / والميل إلى اللهو والنساء ، وإن ذلك استدراج إلى ما بعده .
- ومقاصد الناس تختلف : فطريق أهل البادية ذكر الرحيل والانتقال ، وتوقّع البين ، والإشفاق منه ، وصفة « 3 » الطلول ، والحمول ، والتّشوّق بحنين الإبل ، ولمع البروق ، ومرّ النسيم ، وذكر المياه التي يلتقون عليها ، والرياض التي يحلّون « 4 » بها من خزامى « 5 » ، وأقحوان ، وبهار ، وحنوة ، وظيّان ، وعرار ، وما أشبهها من زهر البريّة الذي « 6 » تعرفه العرب ، وتنبته الصحارى والجبال ، وما يلوح لهم من النيران في الناحية التي بها أحبابهم ، ولا يعدون النساء إذا تغزّلوا ونسبوا ، فإن وقع مثل قول طرفة « 7 » : [ الطويل ]
وفي الحىّ أحوى ينفض المرد شادن * مظاهر سمطى لؤلؤ وزبرجد « 8 »
فإنما هو كناية بالغزال « 9 » عن المرأة .
هامش
( 1 ) سبق ذكر أن القصيدة قيلت للفضل بن يحيى البرمكي كما في الديوان والصناعتين وعيار الشعر والموشح .
( 2 ) في ف والمطبوعتين : « يحتفل » وفي المغربيتين : « يحفل » وهو تصحيف .
( 3 ) في ص : « وصفة الحمول » ، وفي ف : « وصفة الطلول والحلول . . . » ، وسقطت « الحمول » من المغربيتين .
( 4 ) مكان « يحلون بها » بياض في ف ، وأشار الناسخ في الهامش إلى أنه « بياض في الأصل » .
( 5 ) الخزامى والأقحوان والبهار والحنوة والظّيان والعرار كلها نباتات برية طيبة الرائحة . [ انظر اللسان ] .
( 6 ) مكان « الذي تعرفه » بياض في ف ، وأشار إلى ذلك في الهامش .
( 7 ) ديوان طرفة 8
( 8 ) الأحوى : الذي تخالط حمرة شفته سمرة ، من الحوة وهي الحمرة المختلطة بالسواد ، أو هي السواد الذي يضرب إلى الخضرة . والمرد : شجر الأراك . وشادن : القوى الذي شب . ومظاهر : لابس . والسمطان مثنى مفرده سمط : وهو السلك أو الخيط الذي تنظم فيه الجواهر . [ من الديوان بتصرف ] .
( 9 ) في ف والمطبوعتين ومغربية : « بالغزل » ، وهو خطأ ؛ لأن الشاعر يتحدث عن الظبي الذي هو ولد الغزال ، وفيه الحوّة التي تحدث عنها ، وص مثل المغربية الأخرى .